وكانت الشمس قد غابت، والليل قد ارتفع، فنزلوا للمبيت يستعدون لوادى الأقرع، وكانوا على رغم ما لقوا يسمعون من الدليل أنه هين يجنب خور حمار، وأن العناء والبلاء إنما هما في خور حمار، فكانوا يرون خور الحمار هذا في أحلامهم، ويبصرونه فاتحًا فاه لابتلاعهم، ويرون حيال رأسه حجرًا مكتوبًا فيه هنا مات الوفد الأول الذي ذهب لفتح طريق السيارات.
وتلقوا من الغد وادي الأقرع، فلما ولجوه ذكروا بالخير جبال المطلع، ووجدوها حيال نار الأقرع جنة النعيم، والوادي عريض فسيح ولكنه وعر، كله صخور عظيمة، ورمال خطرة، إذا نجت السيارة من رملة صدمتها صخرة، وإن خلصت من الصخرة غاصت في الرمل، فداروا فيه كما يدور الحمار في الساقية، وكان سيرهم سير السواقي.
ثم فتق لهم التفكير وجه الحيلة، فأجمعوا الرأي على أن يركبوا السكة بالسيارة، وعجبوا من أنفسهم كيف حملوا هذا العناء كله، ولم يهتدوا إلى هذا الرأي..
وكانت السكة عالية تمشي فوق الوعرة كأنها الصراط ممدودًا فوق جهنم، فأمضوا ساعتين في ارتقائها، ثم لما ركبوها تعذر المسير عليها، فعجبوا من أنفسهم كيف ارتكبوا هذه الحماقة، ولم يعلموا أن السيارة لا تمشي على سكة القطار، وانفقوا ساعتين أخريين في النزل عنها، حتى إذا نزلت جلسوا على الأرض وقد طحن الجهد أجسامهم، وملأ اليأس نفوسهم، وانقطع أملهم من كل شيء إلا من الله، وضل من يدعون إلا إياه، فأقبلوا على الله بالدعاء والاستغفار، وذاقوا من حلاوة الإيمان وبرد اليقين، ما اطمأنت به نفوسهم، وارتاحت له ضمائرهم، ثم لم يلبثوا أن استجاب الله دعاءهم، وجاءهم منه الفرج، وسمعوا هتاف الجند الذين بعث بهم أمير العلا بأمر جلالة الملك عبدالعزيز لمعونتهم وخدمتهم.