جلس يفكر في هذا كله، فيراه هينًا إذا قيس بخور حمار، وذكر كيف أمضوا نهارًا بطوله، يستعدون لدخول الخور، فلما أقبلوا عليه رأوا مدخله كالشارع العظيم، على جانبيه صخور كبيرة مكعبة مستوية قائمة كالبنيان، كأنما قد بنتها يد بناء حاذق، بميزان الزئبق والشاقول، وفي وسطها جدار من الصخر عرضه ستة أمتار، يشبه في شكله سفينة عظيمة لم تنزل بعد إلى البحر، لها مقدمها وجوانبها، وقد قدر أصحابنا علو هذه الصخور من مائة إلى مائة وخمسين مترًا، فامتلأت نفوسهم رهبة وخشوعًا، وأحسب أن لو رأى هذا الممر سياح الأمريكان لحملوا في سبيل رؤيته عناء السفر في البادية مهما طال وشق..
وأرض هذا المضيق رملية حمراء يغوص فيها الماشي إلى الركبة، لها شكل متموج جميل يشبه شكل البحر، يلذ المرء أن يلقي بنفسه عليها، فيشعر كأنما يلقي بنفسه على فراش ناعم حلو، أو ينام على سطح الماء.
وذكر كيف انقضى النهار وانقضى الغد، ولم يجاوزوا نصف المضيق، ورفع رأسه وكان الفجر قد انبلج، وبدت طلائع النهار، فرأى هذه الصخور الشاهقة المستوية، وهذه الشقوق التي تحدث فيما بينها مثل الأزقة، يملأ مرآها النفس خشوعًا.
وذكر كيف بذلوا جهدهم، واستعانوا بعشرين من الجنود الأقوياء، ثم لم يقطعوا في يومين أكثر من كيلين في هذا المضيق، وخالط نفسه الضيق والملل من طول هذه الرحلة وعنائها، وما قاسى فيها من التعب والجوع والعطش والنعاس، وما عانى من سوء الصحبة، وقبح الأخلاق، وخاف أن تعطل السيارة، أو يضلوا الطريق، أو تمسكهم وعرة، فينفذ الماء ويموتون عطشًا، ولم يخف لصًا ولا سارقًا، فقد جععل ابن السعود خور حمار وهو أفظع مكان في البادية، آمن من ميدان النجم في باريس!