فهرس الكتاب

الصفحة 20 من 32

وفكر أيبلغ المدينة أم يهلك من دونها، وهاجه تصور المدينة، وأحيا في نفسه الأمر مرأى القبة الخضراء وهي طالعة عليه من وراء الأفق البعيد، وطار بها إلى الملأ الأعلى تخيل الوقوف بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصلاته في الروضة، وقيامه من بعد أمام الكعبة، وشربه من ماء زمزم، وسعيه بين الصفا والمروة، وشهوده هذه الأماكن التي ولد فيها الإسلام وعاش فيها محمد صلى الله عليه وسلم، وكانت مهبط الوحي، ومطلع شمس النبوة، ومعقد الآمال من نفس كل مسلم.

واستغرق في تفكيره فلم ينبهه إلا صوت مؤذن القوم يرن في هذا الوادي الساكن: الله أكبر، لا إله إلا الله، فتردد نداءه هذه الصخور الشم.

وتمد الإبل أعناقها مصيحة هادئة، ويهب البدو من منامهم ليقيموا الصلاة، وأصحابنا السواقون ومعلموهم يغطون غطيط البكر.

ثم قاموا إلى الصلاة، فمحا الخوف من نفسه، وصغرت عليه البادية، وهانت عليه مشاقها، وتضاءلت هذه الجبال القائمة حتى كأنما لصقت بالأرض، وكأنما طويت له الغبراء، فلم يعد ملقى في البادية بعد ألف وثلاثمئة كيل من منزله في دمشق كحبة من الرمل، أو هو أهون على الحياة منها، لأنها وإن طار بها ريح، أو حملها سيل، باقية كما كانت، لا تموت ولا تندثر، وهو يموت من أجل رغيف من الخبز وكأس من الماء، بل أحسَّ كأنما هو في منزله، ولم لا؟ وما ينال في البادية إلا ما قد كتب عليه، ولا ينال في منزله إلا ما كتب له، وإذا كان يأمن على نفسه اللصوص والأعراب، وينام في عرض الصحراء، كما ينام في أرض غرفته، لا يمنعه باب، ولا يحميه حارس، ولا يخالط نفسه خوف ولا جزع، لأنه في حمى ابن السعود وأرضه، ألا يأمن من كان في حمى الله رب ابن سعود وأرضه؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت