فهرس الكتاب
لذا فقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يرعى هذا الجانب فهو يعتني - صلى الله عليه وسلم - ببيان الخطأ لمن يقع فيه حين يقتضي الموقف البيان، لكنه لا يتحول إلى نظرة ثابتة ترسخ الشعور بالفشل والإحباط لدى الواقع في الخطأ، أو تؤدي به إلى الشعور بأن هذا الخطأ أصبح أمرًا ملازمًا له لا يفارقه.
عن أنس رضي الله عنه أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة فيهم لم يؤاكلوها ولم يجامعوهن في البيوت فسأل أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - النبي - صلى الله عليه وسلم - فأنزل الله تعالى ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض.. إلى آخر الآية فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:»اصنعوا كل شيء إلا النكاح« فبلغ ذلك اليهود فقالوا: مايريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئًا إلا خالفنا فيه؛ فجاء أسيد بن حضير وعباد بن بشر فقالا: يا رسول الله، إن اليهود تقول كذا وكذا فلا نجامعهن؟ فتغير وجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى ظننا أن قد وجد عليهما، فخرجا فاستقبلهما هدية من لبن إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فأرسل في آثارهما فسقاهما فعرفا أن لم يجد عليهما [1] .
وحتى حين يقتضي الخطأ الإغلاظ على صاحبه والتشديد عليه، فإنه لا يبقى ملاحقًا له في كل موقف، كما حصل مع أسامة بن زيد -رضي الله عنه- في موقف يرويه هو فيقول: بعثنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى الحرقة فصبحنا القوم فهزمناهم، ولحقت أنا ورجل من الأنصار رجلًا منهم فلما غشيناه قال: لا إله إلا الله، فكف الأنصاري فطعنته برمحي حتى قتلته فلما قدمنا بلغ النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال:»يا أسامة أقتلته بعد ما قال: لا إله إلا الله؟« قلت: كان متعوذًا، فما زال يكررها حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم [2] .
(1) رواه مسلم (302)
(2) رواه البخاري (4269) ومسلم (96)