فهرس الكتاب

الصفحة 73 من 98

قلت: تلك شكاة ظاهر عنك عارها ولا إله إلا الله، لقد بلغت العقول إلى مثل هذا حتى أنها صارت ترى الحق باطلًا والباطل حقًا، لقد رغب النبي صلى الله عليه وسلم في العزلة كما في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رجل: أي الناس أفضل يا رسول الله؟ قال:"مؤمن يجاهد بنفسه وماله في سبيل الله"قال: ثم من؟ قال:"رجل منعزل في شعب من الشعاب يعبد ربه"رواه البخاري ومسلم وهذا سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه يعتزل في شعب له يرعى غنمًا فيأتيه ولده قائلًا: إن الناس يختلفون على الملك وأنت ههنا؟!! فضرب سعد في صدر ولده وقال له: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول:"إن الله يحب العبد التقي الغني الخفي"رواه مسلم- والغني يعني القنوع كما في الترغيب- قلت: وهذا سعيد بن المسيب كان لا يخرج من بيته إلا إلى المسجد أو إلى بيت ابنته لزيارتها فقط، وهذا الإمام أحمد يقول ولده عبد الله عنه مادحًا: وكان أصبر الناس على الوحدة. فانظر كيف ساقها مساق المدح، وقد ذهب بعض أهل العلم إلى تفضيل العزلة مطلقًا، وذهب البعض الآخر إلى تفضيل الخلطة مطلقًا، وفصل شيخ الإسلام ابن تيمية في هذه المسألة تفصيلًا حسنًا قال:"إذا كان الشيء مما يؤمر فيه المرء بالخلطة كالجماعة والجمعة والجنائز وغير ذلك استحبت له الخلطة وما كان غير ذلك فلا بأس"أ.هـ كلامه بمعناه. قلت: فما أسعد زماننا بقوم أتوا في المسألة بقول رابع ألا وهو: إن من لا يختلط بالناس يذم مطلقًا ويذكر بالسوء وينابذ؟!!!!! وهذا لعمري ما علمت عليه من سلف في آبائنا الأولين، فينبغي للعالم بل ولطالب العلم أن يحفظ وقته ما استطاع، ومخالطة بعض الناس مضيعة للقلب فضلًا عن الوقت، وكذلك من فضائل العزلة أنها مناط الحشمة والمروءة لا سيما للعالم بين الناس، وهي وإن كانت شديدة على النفس أنفع في لقاء الله غدًا كما قال الشاعر:

ألم تر أن المرء تدوي يمينه ... ... فيقطعها عمدًا ليسلم سائره

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت