فهرس الكتاب
قلت: هكذا فليكن الأدب يا طلاب العلم مع الشيوخ، فإن الشيخ ينبغي أن يكون صنو أبيك وأمك، بل لعله أن يكون أفضل منهما بالنسبة لآخرتك، فهو الذي يدلك عليها والأبوان إنما يدلان غالبًا على الدنيا وشتان بين هذا وذاك،ولله در محمد بن هارون الدمشقي فقد قال معلمًا0
لمحبرة تجالسنى نهارى أحب إلي من أنس الحبيب
ورزمة كاغد فىالبيت عندى أحب إلي من عدل الدقيق
ولطمة عالم في الخد منى ألذ لدي من شرب الرحيق
وأما عن ترك العلماء للمجالس الدعوية الظاهرة فقد وقع هذا في سلفنا. فهذا أبو عاصم الضحاك بن مخلد لما علم أن شعبة قد ترك التحديث فقال له الضحاك: إن رجعت إلى التحديث فسأعتق غلامي هذا، فقال له شعبة:"أنت نبيل"فسمي من يومها النبيل. وهذا الأعمش وهو من أئمة القراءات ولكن لم يقرئ إلا ثلاثة فقط. وهذا بشر بن الحارث الحافي كان إذا جلس للتحديث وجلس إليه أكثر من اثنين قام وترك التحديث وقد ترك السيوطي التحديث واعتزل عن الناس في منزل له، ولو بحثت أخي في كتب التراجم والتواريخ لرأيت من هذا الكثير،فقبل أن تطعن تعّلم وأثبت العرش ثم انقش، وقبل أن تتكلم اقرأ وتعلم فإن الله خلق لنا لسانا واحدا وأذنين حتى يكون السمع أكثر ولتكون القراءة والمعرفة قبل وأكثر من الكلام والتصدر، فهؤلاء السالفين ما سمعنا أن طلابهم سبوهم ولا شنعوا عليهم ولا شغبوا، فتعلم الأصول أولًا ولا تكن مثلما قال القائل:"أوردها سعد وسعد مشتمل ما هكذا يا سعد تورد الإبل".
وهذه موعظة أختم بها هذه الفقرة وهي من عالم جليل يسمي ( يموت) وعظ ولده يومًا فأبلغ في أبيات شعرية رقراقة وأسوق لك منها بيتًا هو الذي نحتاجه في هذا المقام والله المسئول أن تعيه جيدًا قال:
وإن بخل العليم عليك يومًا ... ... فذل له وديدنك السكوت