فهرس الكتاب

الصفحة 92 من 98

قلت: فلم يقل فسبه وشنع عليه وذب الناس عنه، وصدق القائل يوم قال:"من خدم المحابر خدمته المنابر"وأزيدك أخيرًا: إن الشيخ ما امتنع عن هذه الدعوة المنبرية الجهرية إلا لكثرة مخالفتكم له، فإن هذه الطعون الفائت ذكرها إنما صدرت من طلاب علم يلقون الكلام على عوانه كما يعلم ذلك المنصفون، فمثل هؤلاء الجهال يحق للعالم أن يعتزلهم ولو بقي العلم في صدره إلى أن مات، ولا ينكر ذلك أحد شم رائحة السلفية واستقراء حياة السلف فهذا عبد الرحمن بن مهدي كان إذا قطٌ أحد القلم في مجلسه ترك المجلس ودخل بيته، فإن قيل: هذا البويطي صاحب الشافعي يوصي إخوانه بأن يتحملوا طلابهم وأن في ذلك رفعة للشيخ، وكان الشافعي يقول كثيرًا متمثلًا بهذا البيت:

أهين لهم نفسي لكي يكرمونها ... ولا تكرم النفس التي لا تهينها

قلت: هذه وصية البويطي والشافعي من قبله، لكن لمن يستحقون اسم طلاب العلم، والمطلوب فيها: الصبر على شدة حبهم للعلم مما يحوج الإمام إلى حبس نفسه عليهم والصبر على كثرة إلحاحهم في الطلب والرفق بالغريب منهم وبذل النفس له، وهذا لا غبار عليه مطلقًا والعلماء مطالبون بهذا والشيخ أيضًا يفعله مع طلابه ولا ينبؤك مثل خبير، لكن من المعلوم لكل ذي لب فضلًا عن كل ذي علم وفقه أن الطالب الذي يسب شيخه ويشنع عليه لا لشيء إلا لأجل مخالفته في الرأي، فهذا لم يشم رائحة العلم؛ لذا لا تجد منه نتيجة ولا كثير أثر وانظر تخبر!!! ففي هذا وأمثاله يقول الشافعي لما أن حدث معه مثلما حدث مع الشيخ من طلاب الإمام مالك وظنوا أن الشافعي سيوافق مالكًا على كل شيء فلما خالفه رأى منهم مثلما رأى الشيخ من هؤلاء الطلبة الذين أحكي فأنشأ قائلًا:

أأنثر درًّا بين سارحة النعم ... أأنظم منثورًا لراعية الغنم

لعمري لئن ضيعت في شر بلدة فلست مضيعا بينهم درر الحكم

فإن فرج الله الكريم بلطفه وصادفت أهلا للعلوم وللحكم

بثثت مفيدا واستفدت وداده و إلا فمكنون لدي و منكتم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت