ينكرها إلا من أشرب النفاق في قلبه،وحب المخالفة لما جاء عن الله وعن رسوله"."
وقد استدل المخالفون للرؤية بأدلة منها:
الدليل الأول: قوله تعالى لموسى _ عليه الصلاة السلام _ حينما طلب رؤيته قال: [لَنْ تَرَانِي] (1) .
فقالوا: [لَنْ] هنا للنفي المؤبد أي لا يمكن رؤيته في الدنيا، ولا في الآخرة.
وهذا قول غير صحيح في اللغة العربية، لذا قال ابن مالك في ألفيته:
ومن رأى النفي بـ لن مؤبدًا ... * * * * ... فقوله اردد وسواه فاعضدا
وقد جاء في القرآن الكريم ما يؤيد ذلك قال _ تعالى _: [وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا] (2) مع قوله _ تعالى _: [وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ] (3) .
ففي الآية الأولى: نفي لتمنيهم الموت.
وفي الثانية: طلب لتمنيهم الموت.
وذلك بالقضاء عليهم لما يرونه من العذاب، فلو كانت [لَنْ] للتأبيد على
زعمهم لما حصل منهم طلب الموت.
ومن ذلك أيضًا قوله _ تعالى _: [فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي] (4)
فلو كانت للتأبيد لما جاز تحديد الفعل بعدها، فثبت بذلك أن [لَنْ] لا
تقتضي النفي المؤبد.
ثم إن الآية نفسها فيها دليل على ثبوت الرؤية، وكما قال شيخ الإسلام: =ما يأتي المخالف بدليل إلا وكان الدليل حجة عليه لا له+.
ففي الآية ثبوت للرؤية من وجوه:
الأول: أنه لا يظن بكليم الله موسى _ عليه الصلاة والسلام _ أن يسأل ربه شيئًا غير ممكن، ومحال عليه ذلك لأنه أعلم الناس بربه في حينه فكيف يظن به أن يسأل ما لا يجوز سؤاله.
الثاني: أن الرب - سبحانه وتعالى - قال له: [لَنْ تَرَانِي] ، ولم يقل لست بمرئي، أو لا أُرى، والفرق بين الجوابين واضح.
وهذا يدل على أن الرب - سبحانه وتعالى - مرئي، ولكن موسى _ عليه الصلاة والسلام_ لا تتحمل قواه رؤيته لضعف قوى البشر في هذه الدار.
(1) سورة الأعراف:143.
(2) سورة البقرة: 95.
(3) سورة الزخرف: 77.
(4) سورة يوسف:80.