الصفحة 17 من 64

الثالث: قوله _ تعالى _ لموسى _ عليه الصلاة والسلام _: [وَلَكِنْ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنْ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا] (1) فيه دلالة من وجهين:

الوجه الأول: أن الجبل مع قوته وصلابته لم يثبت حين تجلى له الرب - سبحانه وتعالى - في هذه الدار فمن باب أولى البشر.

الوجه الثاني: أنه - سبحانه وتعالى - تجلى للجبل الذي هو جماد لا ثواب له ولا عقاب،

فكيف يمتنع أن يتجلى لرسله وأوليائه في دار كرامته.

الدليل الثاني: عند من قال بعدم الرؤية قوله _ تعالى _: [لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ] (2) فقد استدل بها القاضي عبد الجبار شيخ الاعتزال، احتج بهذه الآية من وجوه عديدة على نفي رؤية الرب - سبحانه وتعالى - في الآخرة، وكل وجوه الاستدلال عنده باطلة مبتورة يستطيع طالب العلم المبتدىء الرد عليه فيها.

والحقيقة أن الآية أيضًا دليل لإثبات الرؤية، ويجاب على هذا الاستدلال من وجوه منها:

الوجه الأول: أن قوله _ تعالى _: [لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ] مطلق، و قوله _ تعالى _: [وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ] (3) مقيد النظر بيوم القيامة، والمطلق يحمل على المقيد فيكون المنفي هو الرؤية في الدنيا، هذا على اعتبار أن الإدراك بمعنى الرؤية، وإلا فهناك فرق بينهما.

فالإدراك قدر زائد على الرؤية، لذلك فمعناه الإحاطة بالشيء، ولا يلزم منها الإحاطة فأنت ترى السماء، وترى البحر، ولا يلزم من رؤيتهما إدراكهما بل يستحيل ذلك.

(1) سورة الأعراف: 143.

(2) سورة الأنعام: 103.

(3) سورة القيامة:22، 23.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت