فهرس الكتاب

الصفحة 417 من 586

الكريم, وإذا كان الشكلة والنقطة, قد أحدثها النحاة والكُتَّابُ, كان ذلك محدثًا, والقرآن العزيز صفة قديمة [1] , والحروف كلها قديمة, لان الله تعالى قد تكلم بها, بقوله: {الم (1) } البقرة: 1.

(1) عنى بذلك أن القرآن كلام الله, وأنه صفة قديمة له, أي ليس بمحدث ولا مخلوق, وأنه تكلم به, وذكر الآيات التي فيها الحروف التي ابتدأ بها سبحانه وتعالى في بعض سور القرآن, فكان كلامه صفة قديمة له, وكلامه بهذه الحروف وهذا القرآن وآحاده حادثة, فهو يتكلم متى شاء, وبما شاء, وكيف يشاء, -سبحانه وتعالى-, وقد قال شيخ الإسلام رحمه الله في مجموع الفتاوي عن كلامه سبحانه وتعالى:"أنه يتكلم بالوحي كيف يشاء, قالت عائشة رضي الله عنها"لشأني في نفسي كان أحقر ... من أن يتكلم الله في بوحي يتلى", وأن القرآن كلام الله بجميع جهاته منزل غير مخلوق, ولا حرف منه مخلوق, منه بدأ وإليه يعود, قال عبد الله بن المبارك:"من كفر بحرف من القرآن فقد كفر, ... ومن قال: لا أؤمن بهذه اللام فقد كفر", وأن الكتب المنزلة على الرسل مائة - وأربعة كتب - كلام الله غير مخلوق, قال أحمد: وما في اللوح المحفوظ, وما في المصاحف, وتلاوة الناس, وكيفما يقرأ, وكيفما يوصف, فهو كلام الله غير مخلوق", قال البخاري:"وأقول: في المصحف قرآن, وفي صدور الرجال قرآن, فمن قال غير هذا يستتاب؛ فإن تاب وإلا فسبيله سبيل الكفر", (4/ 182) .

وصفة الكلام صفة ذاتية فعلية لله سبحانه وتعالى:"باعتبار تعلق صفة الكلام بذات الله عز وجل واتصافه تعالى بها، فمن صفات ذاته كعلمه تعالى بل هو من علمه، وأنزله بعلمه، وهو أعلم بما ينزل، ... وأما باعتبار تكلمه بمشيئته وإرادته فصفة فعل، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم:"إذا أراد الله أن يوحي بالأمر تكلم بالوحي".الحديث - ولهذا قال السلف الصالح رحمهم الله في صفة الكلام: إنها صفة ذات وفعل معًا، فالله سبحانه وتعالى لم يزل ولا يزال متصفًا بالكلام أزلًا وأبدًا, وتكلمه وتكليمه بمشيئته وإرادته، فيتكلم إذا شاء متى شاء وكيف شاء بكلام يسمعه من يشاء وكلامه صفته لا غاية له ولا انتهاء, {قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا (109) } الكهف: 109, {وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ} لقمان: 27, {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (115) } الأنعام: 115", انتهى من أعلام السنة المنشورة للحافظ الحكمي رحمه الله, (1/ 47) .

وقد بين شيخ الإسلام رحمه الله تعالى مذهب سلف الأمة وأهل السنة في هذه المسألة وفصل القول ... فيها وبأن القرآن كلام الله سبحانه وتعالى كلاما يتضمن ما كان بصدده المصنف هنا فقال: ..."أن القرآن كلام الله؛ منزل غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود. هكذا قال غير واحد من السلف. روي عن سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار - وكان من التابعين الأعيان - قال: ما زلت أسمع الناس يقولون ذلك. والقرآن الذي أنزله الله على رسوله - صلى الله عليه وسلم - هو هذا القرآن الذي يقرءوه المسلمون ويكتبونه في مصاحفهم وهو كلام الله لا كلام غيره؛ وإن تلاه العباد وبلغوه بحركاتهم وأصواتهم. فإن الكلام لمن قاله مبتدئا لا لمن قاله مبلغًا مؤديًا قال الله تعالى: {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ (6) } التوبة: 6، وهذا القرآن في المصاحف كما قال تعالى: {بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (21) } البروج: 21, {فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ (22) } البروج: 22, وقال تعالى: {يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً (2) } البينة: 2, {فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ (3) } البينة: 3 , وقال: {إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (77) } الواقعة: 77, {فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (78) } الواقعة: 78. والقرآن كلام الله بحروفه ونظمه ومعانيه كل ذلك يدخل في القرآن وفي كلام الله. وإعراب الحروف هو من تمام الحروف؛ كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم:"من قرأ القرآن فأعربه فله بكل حرف عشر حسنات", وقال أبو بكر وعمر رضي الله عنهما حفظ إعراب القرآن أحب إلينا من حفظ بعض حروفه. وإذا كتب المسلمون مصحفا فإن أحبوا أن لا ينقطوه ... ولا يشكلوه جاز ذلك؛ كما كان الصحابة يكتبون المصاحف من غير تنقيط ولا تشكيل؛ لأن القوم كانوا عربا لا يلحنون. وهكذا هي المصاحف التي بعث بها عثمان - رضي الله عنه - إلى الأمصار في زمن التابعين. ثم فشا"اللحن"فنقطت المصاحف وشكلت بالنقط الحمر, ثم شكلت بمثل خط الحروف؛ فتنازع العلماء في كراهة ذلك. وفيه خلاف عن الإمام أحمد - رحمه الله - وغيره من العلماء قيل: يكره ذلك لأنه بدعة: وقيل: لا يكره للحاجة إليه. وقيل يكره النقط دون الشكل لبيان الإعراب. والصحيح أنه لا بأس به. والتصديق بما ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أن الله يتكلم بصوت؛ وينادي آدم عليه السلام بصوت؛ إلى أمثال ذلك من الأحاديث. فهذه الجملة كان عليها سلف الأمة وأئمة السنة. وقال أئمة السنة: القرآن كلام الله تعالى غير مخلوق. حيث تلي وحيث كتب. فلا يقال لتلاوة العبد بالقرآن: إنها مخلوقة لأن ذلك يدخل فيه القرآن المنزل ولا يقال: غير مخلوقة لأن ذلك يدخل فيه أفعال العباد. ولم يقل قط أحد من أئمة السلف: أن أصوات العباد بالقرآن قديمة بل أنكروا على من قال: لفظ العبد بالقرآن غير مخلوق. وأما من قال: إن المداد قديم: فهذا من أجهل الناس وأبعدهم ... عن السنة، قال الله تعالى: {قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا (109) } الكهف: 109, فأخبر أن المداد يكتب به كلماته. وكذلك من قال ليس القرآن ... في المصحف؛ وإنما في المصحف مداد وورق أو حكاية وعبارة. فهو مبتدع ضال. بل القرآن الذي أنزله الله على محمد - صلى الله عليه وسلم - هو ما بين الدفتين. والكلام في المصحف - على الوجه الذي يعرفه الناس - له خاصة يمتاز بها عن سائر الأشياء. وكذلك من زاد على السنة فقال: إن ألفاظ العباد وأصواتهم قديمة فهو مبتدع ضال. كمن قال: إن الله لا يتكلم بحرف ولا بصوت فإنه أيضا مبتدع منكر للسنة. وكذلك من زاد وقال: إن المداد قديم فهو ضال. كمن قال: ليس في المصاحف كلام الله. ... وأما من زاد على ذلك من الجهال الذين يقولون: إن الورق والجلد والوتد وقطعة من الحائط: كلام الله فهو بمنزلة من يقول: ما تكلم الله بالقرآن ولا هو كلامه. هذا الغلو من جانب الإثبات يقابل التكذيب من جانب النفي وكلاهما خارج عن السنة والجماعة. وكذلك إفراد الكلام في النقطة والشكلة بدعة نفيا وإثباتا, وإنها حدثت هذه البدعة من مائة سنة أو أكثر بقليل. فإن من قال: ... إن المداد الذي تنقط به الحروف ويشكل به قديم فهو ضال جاهل, ومن قال: إن إعراب حروف القرآن ليس من القرآن فهو ضال مبتدع. بل الواجب أن يقال: هذا القرآن العربي هو كلام الله، وقد دخل في ذلك حروفه بإعرابها كما دخلت معانيه، ويقال: ما بين اللوحين جميعه كلام الله. ... فإن كان المصحف منقوطا مشكولا أطلق على ما بين اللوحين جميعه أنه كلام الله. وإن كان غير منقوط ولا مشكول: كالمصاحف القديمة التي كتبها الصحابة؛ كان أيضا ما بين اللوحين هو كلام الله. فلا يجوز أن تلقى الفتنة بين المسلمين بأمر محدث ونزاع لفظي لا حقيقة له ولا يجوز أن يحدث في الدين ما ليس منه."مجموع الفتاوى (3/ 401) , وما أراه عنى إلا اليزيدية في البدعة التي في النقطة والشكلة وأشار أنها من قرابة مائة سنة عن زمنه الذي هو فيه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت