فهرس الكتاب

الصفحة 421 من 586

والذي يدل على أن المداد ليس من القران بشيء, هو قوله تعالى: {قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا (109) } الكهف: 109, فجعل الله عز وجل الكلمات, غير المداد, والمداد غير الكلمات.

وقال سبحانه وتعالى: {وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ} لقمان: 27, الآية. وهي مثل الآية التي قبلها في الحكم.

وقال المفسرون: هذه الآية دليل على أن القران المجيد غير مخلوق, لأن ما لا نهاية ... له لهو غير مخلوق [1] .

وقد أخبر أن كلماته لا تنفد, والبحر ومن بعده سبعه أبحر إذا كانت مدادًا نفد الجميع, فدل على أن الكلمات غير مخلوقة.

[115/أ]

وأما قول النبي - صلى الله عليه وسلم:"ولا تسافروا بالقران أرض العدو" [2] , فنحن نقول كذلك, لأن القران العزيز قد كتب بالمداد, وأودع المصحف الكريم, فلا ينبغي أن يسافر ... به إلى أرض العدو إجلالًا له وإكرامًا, ولهذا حرم على الجنب, والمحدث, مس المصحف الكريم, سواء كان قد ماس الجلد أو الورق, أو حمله بالعلاقة [3] , وكان ذلك التحريم تكريمًا / وتعظيمًا للقرآن الكريم, وإن لم يحصل المباشرة للحروف بالمس.

(1) انظر: تفسير ابن فورك (1/ 459) , وتفسير الثعلبي (7/ 322) .

(2) تقدم تخريجه في الصفحة السابقة.

(3) في المسألة قولان الجواز وعدمه, جاء في الشرح الكبير على متن المقنع:"يجوز حمله بعلاقته, وهو قول أبي حنيفة, وروي ذلك عن الحسن وعطاء والشعبي وحماد, ومنع منه الأوزاعي ومالك والشافعي تعظيما للقرآن, ولأنه مكلف محدث قاصد لحمل المصحف, فهو كما لو حمله مع مسه, ولنا أنه غير ماس, فلم يمنع كما لو حمله في رحله, ولأن النهي إنما تناول المس, والحمل ليس بمس, وقياسهم ... لا يصح, لأن العلة في الأصل مسه, وهو غير موجود في الفرع, والحمل لا أثر له, فلا يصح التعليل به", (1/ 195 - 196) , وعلق على المسألة أيضًا شيخ الإسلام فقال:"فأما إن حمله بعلاقته, أو بحائل له, منفصل منه, لا يتبعه في الوصية والإقرار وغيرهما, كغلافه أو حائل مانع للحامل, كحمله في كمه من غير مس، أو على رأسه، أو في ثوبه، أو تصفحه بعود أو مسه به - جاز في ظاهر المذهب. وعنه لا يجوز؛ لأنه إنما منع من مسه تعظيما ًلحرمته، وإذا تمكن من ذلك بحائل زال التعظيم، وحكى بعض أصحابنا رواية أنه إنما يحرم مسه بكمه وما يتصل به؛ لأن كمه وثيابه متصلة به عادة، فأشبهت أعضاءه بخلاف العود والغلاف، وحكى الآمدي رواية يجوز حمله بعلاقته وفي غلافه دون تصفحه بكمه أو عود. ولنا أنه لم يمسه، فيبقى على أصل الإباحة لا سيما ومفهوم قوله - صلى الله عليه وسلم:"لا يمس القرآن إلا طاهر"جواز ما سوى المباشرة، وليس المس من وراء حائل كالمباشرة", (1/ 385) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت