الصفحة 106 من 376

قلت: فكيف لو رأى شباب زماننا الحالقين للِّحَا المسبلين للثياب المخنفسين أصحاب الشنبات.

سُئل بعضهم: هل يعرف العبد إذا تاب أن توبته قُبلتْ أم رُدَّتْ؟ قال: لا أحكم في ذلك؛ ولكن لذلك علامات، إحداها: أن يرى نفسه غير معصومة من المعصية، ويرى في قلبه الفرح غائبًا والحزن شاهدًا، ويُقرِّبَ أهلَ الخير، ويُباعدُ أهل الشرِّ، ويرى القليل من الدنيا كثيرًا، ويرى الكثير من عمل الآخرة قليلًا، ويرى قلبه مشتغلًا بما ضمن من الله تعالى، فارغًا عما ضمن الله له، ويكونُ حافظًا للسانه دائم الفكرة، لازم الغم والنَّدَامةِ.

وقال يحيى بن معاذ: من أعظم الاغترار عندي التمادي في الذُنوبُ على رَجَاء العَفو من غير ندامة، وتوقَّعُ القُربِ من الله تعالى بغير طاعة.

وانتظار زرع الجنة ببذر وطلبُ دار المطيعين بالمعاصي، وانتظار الجزاء بغير عمل والتمني على الله مع الإفراط.

تَرجُوا النجاةَ ولم تَسْلُكْ مَسَالكَهَا ... إنَّ السَّفِيْنَةَ لا تَجْري على اليَبَس

وقال الحسن البصري: فساد القلوب متولد من ستة أشياء، أولها: يذنبون برجاء التوبة، ويتعلمون العلم ولا يعملون به، وإذا عملوا لا يُخلصُون، ويأكلون رزق الله ولا يشكرون، ولا يرضون بقسمة الله، ويدفنون موتاهم ولا يعتبرون.

عن أبي وائل قال: خرجنا مع عبدالله بن مسعود ومعنا الرببيع بن خيثم، فمررنا على حداد، فقام عبدالله ينظر حديدة في النار.

فنظر الربيع إليها فتمايل ليسقط، فمضى عبدالله حتى أتينا على أتون على شاطئ الفرات.

فلما رآه عبدالله والنار تلتهب في جوفه قرأ هذه الآية: {إِذَا رَأَتْهُم مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا} إلى قوله: {ثُبُورًا} .

فصعق الربيع بنُ خيثم فاحتملناه فجئنا به إلى أهله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت