فهرس الكتاب
قال يحيى بن معاذ: لو سمع الخلائق صوت النياحة على الدنيا من ألسنة الفناء لتساقطت القلوبُ منهم حزنًا.
ولو رأت العقولُ بعينِ الإيمان نُزْهَةَ الجنةِ لَذَابِتِ النُفوسُ شوقًا إليها.
ولو أدركت القلوبُ المحبةَ لخالقِها لتخلَّعَتْ مَفَاصِلُهَا ولها فسبحان من أغفل الخليقة عن كُنْهِ هذه الأشياء وألهاهُم الوصف عن حقائق هذه الأنباء.
من نَالَ من جَوهَرِ الأشياء بُغْيَتَهُ ... يأسَى ويَحْقِرُ قَومًا حَظُهُم عَرَضُ
إني لأعْجَبُ مِن قومٍ يشفُهُمُ ... حُبُّ الزَّخَارِفِ لا يدرُونَ مَا الغرضُ
ألا عُقُول ألا أحْلامَ تَزْجُرُهُمُ ... بَلَى عُقُولٌ وأحْلامٌ بها مَرَضُ
اللهم تقبل توبتنا، واغسل حوبتنا، وأجب دعوتنا، وثبت حُجَّتَنَا، واهْد قُلوبنا، وسدِّدْ ألسنتنا، واسْلُلْ سخيمةَ صُدُورنا.
واغفر لنا ولوالدينا وجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين، وصل الله على محمد وآله وصحبه أجمعين.
فوائد ومواعظ
اعلم يا أخي، أن الناس عند الموت ثلاثة أقسام، الأول: ذو بصيرة علم أن الإنسان وإن طال عمره في الدنيا فهو كخطفة برق لمعت في السماء ثم عادت للاختفاء، فلا يثقل على العاقل اللبيبي الخُروج من الدنيا إلا بقدر ما يفوته من خدمة ربه عز وجل، والازدياد مِن ما يقربه إليه، والإشفاق مما يقول أو يقال له.
كما قال بعضهم لمَّا قيل له: لِمَ تجزع؟ قال: لأني أسلُكُ طريقًا لم أعهدْهُ، وأقدم على ربي جل وعلا ولا أدري ما أقول وما يقال لي.
ومثْلُ هذا الشخص لا ينفُر من الموت، بل إذا عجزَ عن العبادة ربَّما أشتاقَ إليه.
وقال بعضُهم في مناجاته: إلهي إني سألتُكَ الحياة في دار الممات فقد رغبتُ في البعد عنك، وزهدتُ في القرب منك.
فقد قال نبيُك وصفيُك - صلى الله عليه وسلم: «مَن أحَبَّ لِقاءَ الله أحَبَّ الله لِقَاءَهُ ومَن كَرِهَ لِقَاءَ الله كَرِهَ الله لقاءه» .