فهرس الكتاب
بلغ يا أخي الذين يذكرون أعمالهم للناس من حج وصدقة وصيام رياءً وسمعةً.
وكان يصل قومًا ويُعْطِيهم ويكسوهم فيبعثُ إليهم ويقول للرسول: انظر أن لا يعلموا من بعثه إليهم ويأتيهم هو بالليل فيذهب به إليهم ويخفى نفسه.
ولا يعلمون من الذي أعطاهم ولا أعلم أنه وصل أحدًا بأقل من مائة درهم إلا أن لا يمكنه ذلك.
ودخلتُ عليه قبل موته بأربعة أيام، فقال: يا أبا عبدالله، أبشر بما صَنَعَ الله بأخيك من الخير قدْ نَزَلَ بي الموتُ وقد مَنَّ الله علي أنه ليس عندي درهم يُحاسبني الله عليه.
وقد علم ضَعْفِي فإني لا أطيقُ الحسابَ، فلم يدع عندي شيئًا يُحاسبني الله عليه ثم أغلق الباب ولا تأذن لأحدٍ علي حتى أموت.
واعلم أني أخرجُ ن الدنيا وليس أدعُ ميراثًا غير كسائي، وإنائي الذي أتوضأ فيه وكتبي.
وكانت معه صُرةٌ فيها نحو ثلاثين درهمًا، فقال: هذا لابني أهداهُ إليه قريبٌ له ولا أعلم شيئًا أحَلَّ لي منه؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «أنْتَ ومالُك لأبيك» .
فكَفِّنُوني منها وابْسُطُوا على جنازتي لبدي وغطوا عليَّ بكسائِي وتصدَّقوا بإنائي أعطُوهُ مسكينًا يتوضأ منه ثم مات باليوم الرابع ـ رحمه الله ـ.
قيل: إنه مرض قيس أحد الكرماء فاستبطأ إخوانه في عيادته، فسأل عنهم، فقالوا: إنهم يستحيون لمالكَ عليهم من الدَّين.
فقال: أخزى الله مالًا يمنعُ الإخوان عن الزيارة.
ثم أمر مُناديًا ينادي من كان لِقَيْسٍ عليه مال فهو منه في حِلَّ.
فكُسرتْ عتبةُ داره بالعشى لكثرة عُوَّاده.
وأتى رجل صديقًا ودقَّ عليه الباب فلما خرجَ، قال: لماذا جئتني؟ قال: لأربعمائة درهم دَيْنٌ عَليَّ.
فدخل الدار ووزن له أربعمائة درهم وسلمها له ودخل الدار يبكي.