فهرس الكتاب
فقالت امرأته: هلَّا تعللت واعتذرت حين شقَّ عليك الإجابة؟
فقال: إنما أبكي لأني غفلتُ عنه ولم أتفقَّدْ حَاله حَتى احتاجَ أن يُفاجئني به.
وحكي عن حُذيفة العَدَوي قال: انطلقتُ يوم اليرمُوك لطلب ابن عم لي ومعي شيء من ماءٍ وأنا أقولُ إن كان به رمقٌ سقيته ومسحت وجههُ فإذا أنابه، فقلتُ: أسقيكَ فأشار إليَّ نَعَمْ فإذا رَجُلٌ يقول: آهْ، فقال ابنُ عمي: انطلقْ إليه.
فجئتُ إليه فإذا هُوَ هشامُ بنُ العاص، فقلتُ: اسقيكَ فسمعَ هشامُ آخر يقول: آه، فقال: انطلق به إليه فجئت إليه فإذا هو قد مَات.
ثم رجعت إلى هشام فإذا هو أيضًا قد مات.
ثم رجعتُ إلى ابن عمِّي فإذا هو قد مات.
إلى كَمْ ذا التراخِي و التَّمَادي ... وحادي الموت بالأرواحِ حَادي
فلو كُنّا جَمَادًا لاتَّعَضْنَا ... ولَكِنّا أشدُّ من الجَمَادِ
تُنَادِينا المَنيّةُ كُلَّ وقتً ... وما نُصْغِي إلى قَولِ المُنَادِي
وأنفاسُ النُفوس إلى انْتِقَاصٍ ... ولكنَّ الذُنَوبَ إلى ازْدَيادِ
إذا مَا الزَّرْعُ قَارَنَهُ اصْفِرَارٌ ... فليسَ دَواؤُهُ غيرَ الحَصادِ ...
كأنَّك بالمشيبِ وقد تَبَدَّى ... وبالأخرى مُنَاديها يُنادِي
وقالوا:
قَدْ قَضَى فاقْرَوْا عليه ... سَلامَكُمُ إلى يَوْمِ التَّنَاد
عن أبي معشر قال: رأيتُ عونَ بن عبدالله في مجلس أبي حازم يبكي ويمسحُ وجههُ بدُموعه.
فقيل له: لم تمسح وجْهَكَ بدمُوعِكَ؟ قال: بلغني أنه لا تصيب دموع الإنسان مكانًا من جسده إلا حرم الله عز وجل ذلك المكان على النار.
وقال: قلبُ التائب بمنزلة الزُجَاجة يُؤثِّر فيها جميعُ مَا أصابها، فالموعظة إلى قلوبهم سريْعة وهُمْ إلى الرقة أقرب.