فهرس الكتاب
وقال له بشر بن منصور: ما هذا الحزن؟ قال: ويحكَ الموت في عُنقي والقبر بيتي، وفي القيامة موقفي، وعلى جسر جهنم طريقي، وربي ما أدري ما يصنع بي، ثم تنفَّسَ فغُشي عليه.
وقال عُمر بن درهم لعطاء: حتى متى نسهو ونلعب وملك الموت في طلبنا لا يَكُفَ فصاح عطاء صيحَةً خَرَّ مَغْشيًا عليه.
واجتمع الناس وقعد عمر عند رأسه فلم يزل على حاله حتى المغرب ثم أفاق فحُمل.
قيل: إن أبا عثمان المنتخب أنشد نور الدين أبياتًا تتضمنُ ما هو مُتلبسٌ به نور الدين في ملكه من المكوس والضرائب وفيها تخويف وتحذير شديد له كانت هذه الأبيات سببًا لوضعها عن الناس:
مِثِّلْ وُقُوْفَكَ أيها المغْرُوْرُ ... يوم القِيَامَةِ والسماءُ تَمُورُ
ماذا تقولُ إذا نُقِلْتَ إلى البِلىَ ... فرْدًا وجَاءَكَ مُنكَرٌ ونَكِيْرُ
ماذا تقولُ إذا وقَفْتَ بِمَوْقِفٍ ... فَرْدًا ذَلِيْلًا والحسابُ عَسِيْرُ
وتَعَلَّقَتْ فِيْكَ الخُصُوْمُ وأنْتَ في ... يوم الحِسَابِ مُسَلْسَلٌ مَجْرُوْرُ
وتَفَرَّقَتْ عَنْكَ الجُنُوْدُ وأنْتَ في ... ضِيْقِ القُبُورِ مُوَسَّدٌ مَقْبُورُ
وَوَدِدْتْ أنكَ مَا وَلِيْتَ ولايَةً ... يَوْمًا ولا قال الأنامُ أ ميرُ
وبَقِيْتَ بَعْدَ العِزِّ رَهْنَ حَفِيْرةً ... في عَالَم الموتى وأنْتَ حَقِيْرُ
وحُشِرْتَ عُرْيَانًا حَزِيْنًا باكِيًا ... قَلقًا ومالكَ في الأنامِ مُجيْرُ
أرَضِيْتَ أنْ تحْيَا وقَلْبُكَ دَارسٌ ... عَافي الخَرَابِ وجْسْمُكَ المَعْمُوْرُ
أرَضِيْتَ أنْ يُحْظَى سِوَاك بقُرْبِهِ ... أبدًا وأنْتَ مُعَذَّبٌ مَهْجُوْرُ
مَهِّدْ لِنَفْسِكَ حُجَّةً تَنْجُو بهَا ... يَوْم المعادِ وَيْومَ تَبْدُوْ العُوْرُ
فلما سمع نور الدين هذه الأبيات بكى بكاءً شديدًا وأمر بوضع الضرائب والمكوس في سائر البلاد وكتب إلى الناس ليكون منهم في حل مما كان أخذ منهم، ويقول لهم: إنما صرف ذلك في قتال أعدائكم من الكفرة والذب عن بلادكم