الصفحة 155 من 376

وهذه العقبة لا حيلة له في التخلص منها، فإنه كلما جدَّ في الاستقامة والدعوة إلى الله والقيام له بأمره جدَّ العدوُّ في إغراء السُّفهاء به، فهو في هذه العقبة قد لَبِسَ لأمة الحرب، وأخذ في محاربة العدوَّ لله وبالله.

فعبوديته فيها عبودية خواص العارفين وهي تسمى عبودية المراغمة ولا ينتبه لها إلا أولو البصائر التَّامّة، ولا شيء أحبُّ إلى الله من مراغمة وليّه لعدوّه وإغاظته له. اهـ.

فصل

كان الصدق في صدر الإسلام أساسًا في القول والعلم والمعاملة، وخصوصًا فيما يتعلق بالدين وحفظ الحديث.

فقد ورثت عن العُلماء الأوائل علومُ الدين مضبوطة كامِلةً كما أنزلت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وحدَّث عنها.

وكان عُلماءُ الدين وجامعُوا أحاديث النبي - صلى الله عليه وسلم - يتحرون صدق المحدث بشكل عجيب.

يدرسون حياته ويتحققون من أقواله وأعماله وأنه يأكل من كسب يده ولم يدخل على سلطان في صحبة أو وظيفة.

وأنه يُطبقُ تعاليم الدين كاملة ولم تعهد عليه كذبة في حَيَاته، فعندها يُؤخذُ عنه الحديث النبوي.

ومثالُ على ما ذكر عن الإمام أحمد ـ رحمه الله ـ أنه سمع بوجود حديث عند عالم بدمشق مسافر إليه من بغداد حتى وصل دمشق فمكث مُدَّةً يسأل عن العالم وعن أخلاقه ومُعاملته وكلامه.

حتى إذا وثق من صدقه أتاه مبكرًا بعد أن اغتسل وتطيب ولبس أحسن ثيابه إجلالًا للحديث ولمَنْ يحمله.

ولما اقترب من بيته وجد العالم خارجًا من بيته يقود حمارهُ وقد كان حمالًا يكتسبُ رزقه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت