فهرس الكتاب
قال: ومتى ذلك؟ قال: إذا قَلَّتْ أُمناؤكم وكثُرتْ أمراؤكم وقَلَّتْ فُقَهاؤكم وكَثُرتْ قُرَّاؤكم وتُفُقِّهَ لغير الدين والتمست الدنيا بعمل الآخرة، قلتُ: هذا موجود الآن بكثرة، فتأمل ودقِّق النظر!!
وروى أبو نعيم وغيره عن كميل بن زياد عن علي بن أبي طالب أنه قال: الناس ثلاثة: عالم رباني، ومتعلم على سبيل النجاة، وهمج رعاع أتباع كل ناعق يميلون مع كل صائح لم يستضيئوا بنور العلم ولم يلجوا إلى ركن وثيق.
ثم ذكر كلامًا في فضل العلم إلى أن قال: « ... إن هاهنا لعلمًا جمًا -وأشار إلى صدره- لو أصبتُ له حملةً، بل أصيبُ لقنًا غير مأمون مُستعملًا آلة الدين للدنيا ومستظهرًا بنعم الله على عباده بحُجَجِهِ على أوليائه، أو مقلدًا لحملة الحق لا بصيرةَ في أحنائه ينقدح الشك في قلبه لأول عارض من شبهة، ألا لاذَا ولا ذاك، أو منْهُومًا باللَّذة سلس القيادِ للشَّهْوَةِ، أو مُغرمًا بالجمع والادِّخار، ليس من رُعاة الدين في شيء.
أقربُ شبهًا بهما الأنعامُ السائمةُ، كذلك يموتُ العِلْمُ بموتِ حَامِليْهِ.
اللهم بلى لا تخلُو الأرضُ من قائم لله بحججه إمَّا ظاهرًا مشهورًا، أو خائفًا مغمورًا.
لئلا تبطل حُججُ الله وبيناتُه كم ذا وأين أولئك والله الأقلُّون عدَدَا، الأعظمُون عند الله قدْرَا.
يحفظُ الله بهم حُججَهُ وبيِّنَاته، حتى يُوْدِعُوْهَا نُظَراءَهُم، ويزرعُوها في قُلُوب أشباههم.
هجم بهم على حقيقة البصيرة، وباشروا روح اليقين واستلانوا ما استوعرهُ المترفُون، وأنسُوْا بما استوحش منه الجاهِلون.
وصحبوا الدنيا بأبدان أرواحُها مُتعلقة بالمحل الأعلى، أولئك خلفاء الله في أرضه، والدُعاةُ إلى دينه، آه ألا شوقًا إلى رؤيتهم».