الصفحة 167 من 376

وما خيرُ عُمرِ امرئٍ لا يدري ما عاقبة أمره، وما خيرُ عيشٍ لا يكملُ ما حُفظ منه، ولئن كانت الرغبةُ في الدنيا هي المستولية على قلوبنا كما استولت على أبداننا لقد خبنا غدًا في القيامة وخسِرْنَا.

مرض خيثمة وثقل وجاءته امرأته، فجلست عنده فبكت، فقال لها: ما يبكيك؟ الموت لابد منه، فقالت: الرجالُ عليَّ حرا، فقال لها: ما كل هذا أردتُ منك إنما كنتُ أخاف رجُلًا واحدًا وهو أخي، وهو رجل فاسق يتناول الشراب، فكرهتُ أن يشربَ في بيتي الشراب بعد إذ القرآن يُتلى فيه كلَّ ثلاث.

وعن الأعمش عن خيثمة، قال: تقول الملائكة: يا رب عبدك المؤمن تزوي عنه الدنيا، وتعرضه للبلاء، قال: فيقول للملائكة: اكشفوا لهم عن ثوابه، فإذا رأوا ثوابه، قالوا: يا رب لا يضره ما أصابه في الدنيا.

قال: ويقولون عبدك الكافر تزوي عنه البلاء وتبسط له الدنيا، قال: فيقول للملائكة: اكشفوا لهم عن عقابه، قال: فإذا رأوا عقابه، قالوا: يا رب لا ينفعه ما أصابه من الدنيا.

ولما نزل بابن إدريس الموت بكت ابنتُه، فقال: لا تبكي فقد ختمتُ القرآن في هذا البيت أربعةَ آلاف ختمة.

قال عبدالله بن مسعود - رضي الله عنه: ذهب صفو الدُّنيا وبقي كدرها، فالموت اليوم تحفةٌ لكل مسلم.

وعظ الحسنُ أصحابهُ، فقال: والله لقد صحبنا أقوامًا كانُوا يقولُون: ليس لنا في الدنيا حاجةٌ ليس لها خلقنا، فطلبوا الجنة بغُدوهم ورواحِهم.

نعم، والله حتى أهرقوا فيها دماءهم فأفلحوا ونجحوا هنيئًا لهم لا يطوى أحدُهم ثوبًا ولا يفْترشُه ولا تلقى إلا صائمًا ذليلًا متبايسًا خائفًا إذا دخل على أهله إن قِرُب إليه شيء أكلُه وإلا سكت لا يسألهُم عن شيءٍ ما هذا؟ وما هذا؟ ثم قال:

ليسَ مَن مَات فاسْتراحَ بِمَيْتٍ ... إنَّمَا الميتُ مَيِّتُ الأحْيَاء

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت