الصفحة 172 من 376

قال ابن الجوزي ـ رحمه الله ـ: إخواني الأيام لكم مطايا، فأين العُدة قبل المنايا؟ أين الأنفة من دار الأذايا؟ أين العزائم؟ أترضون الدنايا؟

إنَّ بلية الهوى لا تشبه البلايا وإن خطيئة الإصرار لا كالخطايا، وإن سريَّة الموت لا كالسرايا، وقضية الأيام لا كالقضايا، وملك الموت لا يقبل الهدايا.

فيا مستورين ستطهر الخبايا، أيها المستوطن بيت غُروره، تأهب لإزعاجكْ، أيها المسرور بقصوره، تهيأ لإخراجْك.

خُذْ عُدَّتك وقم في قضاء حاجتك قبل فراق أولادك، وأزواجك، ما الدنيا دار مقامك، بل محثًا لإدلاجك.

وللدَّهْر تَارَاتٌ تَمرُ على الفَتَى ... نَعِيْمٌ ويُؤْسٌ صِحَّةٌ وسَقَامُ

ومَنْ يَكُ في الدنيا فلا يَعْتَبنَّها ... فليسَ عليها مَعْتِبٌ وملَامُ

أجدَّكَ ما الدنيا ومَاذَا مَتَاعُهَا ... وماذا الذي تَبْغِيْهِ فَهْوَ حُطَامُ

فَدَعْهَا ونَعْمَاهَا هَنِيْئًا لأهلها ... ولاتَكُ فيها راعيًا وسوَامُ

هَب إنَّ مَقَاليدَ الأمُور مَلكْتَهَا ... وَدَانَتْ لَكَ الدنيا وأنْتَ هُمَامُ

ومُتِّعْتَ باللَّذاتِ دَهْرًا بغِبْطَةٍ ... ألَيْسَ بحَتْمٍ بَعد ذاكَ حِمَامُ

فَبَيْنَ البرَايَا والخُلُوْدِ تَبَايُنٌ ... وبَيْنَ المنايا والنُفُوسِ لِزَامُ

قَضِيَّةٌ انْقَادَ الأنامُ لحُكْمِهَا ... وما حَادَ عنها سَيّدٌ وغُلامُ

ضَرُوْرِيَّةٌ تَقْضِي العُقولُ بصِدْقِهَا ... وما كان فيها مِرْيةٌ وخِصَامُ

سَلِ الأرض عن حَالِ الملوكِ التي خَلَتْ ... لَهُمْ فَوْقَ مَرَقْى الفَرْقَدِيْن مَقَامُ

بأبْوَابِهِمْ لِلْوَافِدِيْنَ تَرَاكثمٌ ... بأعْتابِهِم لِلْعَاكِفِيْنَ زِحَامُ

تجبْكَ عن أسْرَار السُيُوفِ التي جَرَتْ ... عَليهم جَوَابًا لَيْسَ فيه كَلَامُ

بأنَّ المنَايَا أقْصَدَتْهُم نِبَالُهَا ... وما طاشَ عَن مَرْمىً لَهُنَّ سِهَامُ

وسِيْقُوا مَسَاقَ الغابرينَ إلى الرَّدَى ... وأقْفَرَ منهم مَنْزِلٌ وَمَقَامُ

وحَلُوا مَحَلًا غَيْرَ مَا يَعْهَدُوْنَهُ ... فليس لهم حَتى القِيام قِيام

ألَمَّ بهم ريْبُ المنُونِ فَغَالَهُمْ ... فَهُمْ بَيْنَ أطْبَاقِ الرُغَامِ رُغَامُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت