فهرس الكتاب
قال ابن عباس: غي واد في جهنم، وإن أودية جهنم لتستعيذ من حره، أعد الله ذلك الوادي للزاني المصر على الزنا، والشارب الخمر المدمن عليه، ولآكل الربا الذي لا ينزع عنه، ولأهل العقوق، ولشاهد الزور ولامرأة أدخلت على زوجها ولدًا ليس منه.
قال عمر بن ذر: لما رأى العابدون الليل قد هجم عليهم، ونظروا إلى أهل الغفلة قد سكنوا إلى فرشهم ورجعوا إلى ملاذهم، قاموا إلى الله سبحانه وتعالى فرحين مُستبشرين بما قد وهبهم الله من السهر وطُول التَّهجُدِ، فاستقبلوا الليل بأبدانِهم وباشر ظلمتَهُ بصفاح وجوههم، فانقضى عنهم الليلُ وما انقضت لذَّاتهُم مِن التلاوة ولا ملَّتْ أبدانهم من طول العبادة، فأصبح الفريقان وقد ولى بربحٍ وغبن.
فاعملوا لأنفسكم في هذا الليل وسواده، فإن المغبون من غبن خير الدنيا والآخرة.
يا رُفْقَةَ اللَّيلِ طَابَ السَّيْرُ فاغْتَنِمُوْا ... الْمَسْرَى فَمَنْ نامَ طُوْلَ لم يَصِل
اجتمع الزهري وأبو حازم الزاهد بالمدينة عند بعض بني أمية لما حج، وسمع الزهري كلام أبي حازم وحكمه فأعجبه ذلك، وقال: هو جاري منذ كذا وكذا وما جالستُه ولا عرفت أن هذا عنده، فقال له أبو حازم: أجل إني من المساكين، ولو كنتُ من الأغنياء لعرفتني، فوبخه بذلك.
وفي رواية أنه قال: لو أحببتَ الله أحببتني؛ ولكن نسيت الله فنستيني، يُشير إلى أن من أحب الله أحبَّ المساكين من أهل العلم والحكمة لأجل محبته لله تعالى، ومن غفل عن الله غفل عن أوليائه من المساكين.
وقد كان علماء السلف يأخذون العلم عن أهله والغالب عليهم المسكنة وعدم المال والرفعة في الدنيا ويدعون أهل الرياسات والولايات إذا لم يكونوا أهلًا.
وأما إذا كانوا أهلًا، فإن الرئاسة لا تمنع، بل تزيد العالم شرفًا وحسن اعتقاد ويكون علمه أنفذ؛ لأنه لا لطمع، كالخلفاء الأربعة - رضي الله عنهم -.