فهرس الكتاب
ثم يقع الندم في ثاني الحال على أن لذة الحلم أوفى من الانتقام، وربما أثر الحقد من الجاهل فتمكن فبالغ في الأذى له.
ومن ذلك أن يعادي بعض الناس ويأمن أن يرتفع المعادى فيؤذيه وإنما ينبغي أن يضمر عداوة العدو.
ومن ذلك أن يحب شخصًا فيفشي إليه أسراره ثم يقع بينهما عداوة فيظهر ذلك عليه.
ولي رجل تبالةً فصعد المنبر فما حمد الله ولا أثنى عليه حتى قال: إن الأمير أعزنا الله وإياه ولاني بلادكم هذه، وإني والله ما أعرف من الحق موضع سَوْطِي، ولن أوتي بظالم ولا مظلوم إلا أوجَعْتُهُمَا ضربًا، فكانوا يتعاملون بالحق بينهم ويتصالحون ولا يرتفعون إليه.
ومن ذلك أن يرى المال الكثير فينفق ناسيًا أن ذلك يفنى فيقع له في ثاني الحال حوائج فيلقى من الندم أضعاف ما التذَّ به في النفقة.
فينبغي لمن رزق مالًا أن يصور كبر السن والعجز عن الكسب، ويتصور ذهاب الجاه في الطلب من الناس ليحفظ ما معه.
ومن ذلك أن ينبسط ذو دولة، فإذا عُزِلَ ندمَ على ما فعل، وإنما ينبغي أن يُصور العزل ويعمل بمقتضاه.
ومن ذلك أن يؤثر لذة مطعم فيشبع فيفوته قيامُ الليل، أو يؤثر لذة النوم فيفوته التهجد، أو يأكل أو يجامع بشره فيمرض.
أو يشتهي جماع سوداء وينسى أنها ربما حَمَلتْ فجاءت بنت سوداء، فكم من حسرةٍ تقعُ له على مدى الزمان، كلما رأى تلك البنتَ.
وقد كان في زمننا من جامع سوداء فجاءت بولد أسود فافتضح به منهم صاحب المخزن وقاضي القضاة الدامغاني، وكان تاجرًا قد ولد له ابن أسود، فلما رآه قال: لعن الله شهوتي.