فهرس الكتاب
وإذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يقول: «أدْنيا إليَّ أخَاكُما» فلما هَيأه لِشِقِّهِ في اللَّحْدِ، قال: «اللهم إني قد أمْسَيتُ عنه راضيًا فارْضَ عنه» .
فقال ابنُ مسعود: لَيتني كُنتُ صاحبَ اللَّحْدِ.
وعن أبي وائل، عن عبدالله قال: والله لكأني أرى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غزوة تبوك وهو في قبر عبدالله ذي البجادين، وأبُو بكر وعُمر يقول: «أدْنِيَا إلي أخَاكُمَا» .
وأخذهُ من القبلةِ حتى أسكنهُ في لَحْدِه ثم خرَجَ النبيُ - صلى الله عليه وسلم - وَوَلَّيَاهُمَا العَمَلَ، فلما فرغ من دفنه استقبل القبلة رافعًا يديه يقول: «اللهم إني أمسيتُ عنه راضيًا فارْضَ عنه» .
وكان ذلك ليلًا، فوالله لوددتُ أني مكانه، ولقد أسلمتُ قبلهُ بخمسَ عشرَ سَنَة. والله أعلم، وصل الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
فصل
عن محمد بن سعد قال: أتى واثلةُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فصلى معه الصبح، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا صلى وانصرف تصفَّحَ أصحابهُ، فلما دَنا من واثلة، قال: «من أنت؟» فأخبره.
فقال: ما جاء بكَ؟ قال: جئتُ أبايع، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «فيما أحْبَبْتَ وكَرِهْتَ؟» قال: نعم، قال: «فِيما أطَقْتَ؟» قال: نَعَمْ، فأسلم وبَايَعَهُ.
وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتجهزُ يومئذٍ إلى تَبُوكَ فَخَرَجَ واثلةُ إلى أهلِهِ فَلَقِي أبَاهُ الأسقعَ فلما رَأى حَاله، قال: قد فعلتها؟ قال: نعم، قال أبوه: والله لا أكلمُك أبدًا.
فأتى عمه فسلَّم عليه، فقال: قَدْ فَعَلْتَهَا؟ قال: نعم، قال: فلامهُ أيسر من ملامة أبيه، وقال: لم يكُن ينبغي لك أن تسبقنا بأمرٍ.
فسمعت أخت واثلة كلامهُ فخرجت إليه وسلَّمَتْ عليه بتحَّية الإسلام، فقال واثلة: أنَّي لك هذا يا أخيَّةُ؟ قالت: سمعتُ كلامك وكلام عمك فأسلمتُ.
فقال: جهزِّي أخاك جهاز غازٍ فإنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على جناح سفر، فجهزتهُ فلحِقَ برسول الله - صلى الله عليه وسلم - قدْ تحمَّلَ إلى تبُوكَ وبقي غُبَّراتٌ مِن الناسِ وهم على الشُخُوص.