فهرس الكتاب
فهلا تفكرت يا ابن آدم في يوم مصرعك وانتقالك من موضعك، ونقلت من سعة إلى ضيق، وفارقك الصاحب والرفيقُ، وهجرك الأخ والصديق، وأخذت من فرشك وغطائك إلى حفر وغطوك من بعد لين لحافك بترابٍ ومدرٍ.
نُزَاعُ لِذكْرِ الموتِ سَاعةَ ذِكْرِه ... وتَعْتَرضُ الدُنْيَا فَنَلْهُوا ونَلْعَبُ
يَقِيْنُ كأنَّ الشكَ غَالِبُ أَمْرِهِ ... عليه وعِرْفَانٌ إلى الجَهْلِ يُنْسَبُ
آخر:
ومُنْتَظِرٍ لِلْموتِ في كل لَحْظَةٍ ... يَشيْدُ ويَبْني دَائمًا ويُحَصِّنُ
لَهُ حِيْنَ تَبْلُوهُ حَقِيْقَةُ مُوْقِنٍ ... وأعمالُه أعْمَالُ مَن لَيْسَ يُوقِنُ
عِيانٌ كإنْكَارٍ وكالْجَهْلِ علْمُهُ ... بَمَذْهَبِهِ في كُلِّ ما يَتَيقَنُ
فيا جاع المال والمجتهد في البنيان ليس لك من مالك إلا الأكفان بَلْ هِيَ للخراب وجِسْمُكَ للتَّراب والمآب.
فأين الذي جمعته من المال أأنقذك من الأهوال كلا بل تتركه إلى من لا يحمدك وقدمت بأوزارٍ إلى من لا يعذرك.
إذا كُنْتْ جَمَّاعًا لِمَالِكَ مُمْسِكًا ... فأنْتَ عليه خَازنٌ وأميْنُ
تُؤدِّيْهِ مَذْمُوْمًا إلى غير حَامِدٍ ... فيأكله عَفْوًا وأنَتَ دَفِيْنُ
كان بعضهم يوبخ نفسه، فيقول: عمل كالسَّراب وقلبٌ من التقوى خرا، وذنوبٌ بعدد الرمل والتراب.
ثم تطمع في الكواعب الأتراب هيهات أنت سكرات بغير شراب.
ما أكملك لو بادرت أملك، ما أجلَّك لو بادرت أجلك، ما أقواك لو خالفت هواك.
وقال آخر: العلمُ عصمة الملوك؛ لأنه يمنُعهم من الظلم، ويدرهم إلى الحلم، ويصدهم عن الأذية، ويعطفهم على الرعية.
فمن حقهم أن يعرفوا حقه، ويستنبطوا أهله، فأما المال فظل زائل وعارية مسترجعة، وليس في كثرته فضيلة، إلا لمن يسلطه الله على هلكته في الحق.