-لأن ألمك على شكل قطارٍ ممتلئ بالألم يجرُّ وراءه مقطورات من الوجع المزمن فوق سكة الخيبة بداخلك، عندها تعمل على إخراج ألمك بتنهيدة متقطعة فإنك بهذا تعمل على إخراج وجعك عربة... عربة.
يسكب مزيدًا من (الجن) في كأسه، ويكرعه دفعة واحدة يبتسم، وهو يقول:
-أحقًا ما تقوله؟
يجيبه خيال غاندي بثقة، وهو يسكب مزيدًا من الجن:
-أجل!
كرعهم للجن أهم من اهتمامهم بعقولهم. فالنفوس البشرية تستطيع التحمل ولكنها لا تستطيع الانتظار. لأنها مهيأة للحياة لا للانتظار. فعلًا!
أصبح الكل سكارى.. الكل مجانين، وكأن هذا العالم كله مشحون بأناس يظنون أنفسهم (( غاندي ) )، غاندي قطار حديدي الهيكل، فارغ من الداخل... حقًا! إنه لشيء أشبه بعزف سمفوني رتيب. لكنه يصدر عن عازفين ليس بيدهم آلات، لأن الأوتار كلها قد التهمت غاندي! ينهره خيال غاندي قائلًا:
-أنت متمرد.
هنا -امتلأ فراغ غاندي بغضب على شكل جماد.. استفاق هذا الجماد وتحرك من ركوده- وكان لديه من القوة والإدراك ما يعينه على التمرد والحركة كأولئك العازفين في الهواء دونما آلات موسيقية.. فهم يعزفون لأنفسهم بأنفسهم، يقول بغضب:
-أنت كاذب، كاذب.
يرد عليه خيال غاندي، وكانت كلماته هذه المرة كأنها أوان خزفية لكونها منذ زمن على الرف تملؤها الأتربة فيأتي غاندي ويحطمها كلها:
-يا غاندي. الكل يكذب! الكل يكذب!!
يسحب قنينة الجن من عنقها يحطمها بالطاولة ممسكًا عنقها بيده، يهم على خياله هاجمًا صارخًا ضاربًا:
-هي... الكل يكذب.. حتى أنا... الكل!
يغرس عنق الزجاج بذراع خياله، تفتق جرح من دماء تتدفق كأنها احتضار الأنهار عند حبسها بسدود، يعالج خياله بضربة تجعل النهار يحتضر وهو ينتظر ولادة المساء.
يسقط غاندي على الأرض، وهو يصرخ:
-الكل يكذب.
حمل فوق أكتاف الندل إلى المستشفى وخياله العملاق ينزف ظلامًا على صاحبه -في المستشفى أخبروه أنه كان سكران وعمل على ضرب نفسه بعنق قنينة (الجن) . أتته الممرضة لتعمل له إضبارة أو (ملفًا) للعلاج، وإبدال ضماداته، تقول له بدعابة مرحة:
-ألمك يا غاندي على شكل قطار ممتلئ بالألم، يجر وراءه مقطورات من الوجع المزمن فوق سكة الخيبة.
هكذا كنت تهلوس ليلة أمس.
يضحك غاندي بوهن، لتسأله الممرضة عن مهنته، فيجيبها قائلًا:
-سائق قطار.
وتسأله عن لقبه، فيجيبها وفي عينيه السوداوين ألق ما زال مبكرًا فتيًا:
-غاندي.
ورقة