فهرس الكتاب

الصفحة 16 من 39

-الزموا الهدوء من فضلكم.

تحذير الممرضة حافز استنفر مشاعرهم على البكاء، قلت لهم:

-ما بكم؟

هبَّ نحوي الرجل مرتجفًا باكيًا، تمتم بصوته الباكي:

-ابني دكتور! قد فقد سمعه.

حمل باب الغرفة المشرع تيارًا هوائيًا محملًا برائحة المطهرات، جاءني سكوته مدعمًا بالذنب الذي أشاعته عيناه، حملت الممرضة الطفل ووضعته فوق السرير، اتضح من معاينته سريريًا أن:

(طبلة أذنه اليسرى ممزقة) . سألت والد الطفل:

-ماذا حصل لأذن الصغير؟

رفع يداه عاليًا كأنه طائر أفرد جناحيه للطيران وضرب بهما فخذيه قائلًا:

-أنا من ضربه، بعدما أكل رغيف أخيه. حضر أخوه من المدرسة جائعًا، طالبًا ما يسد به جوعه، راحت أمه تبحث عن رغيف الخبز فلم تجده، وبعد عناء أخبرنا بأنه أكل رغيف أخيه، لذا صفعته حتى...

قاطعته مغتاظًا:

-بدلًا من أن تصفعه كان من الأجدر بك أن تعطي ولدك الثاني شيئًا يأكله.

اقترب مني، وضع فمه على أذني، وأسرَّ لي هامسًا:

-أرغفة الخبز، تصدَّق بها أحد الميسورين من جيراننا، وكان ما أكله آخر رغيف. يا دكتور!

صيد حديث

هربت الشمس بعيدًا، خلف شباك من الغيوم الرمادية، انتشرت فوق نخلات فارغات في نهر صغير. خدش السكون رجلٌ يسير على الضفة، عَلَّق دشداشته بحزام عسكري، بانت ساقاه السوداوان هزيلتين. كان ممسكًا بيده صليبًا خشبيًا طويلًا ذا نهاية حديدية كأنها سيف أسطوري، يتدلى منها سلك طويل يتصل بأحد أعمدة الكهرباء خلفه. حررت الشمس نفسها من شباك الغيوم الرمادية، وراحت بضوئها المتوهج تتذوق عذوق الرطب الشهي.

غطس صليبه الخشبي قرب أعشاب طافية، ارتفعت قعقعة الكهرباء مع الماء، زأر التيار الكهربائي بعنف، مياه النهر فارت بسورات كيدية كالدخان، شعت في عينيه التماعات فضية عكرت صفحة الماء، وطفت الأسماك تتلوى من أثر الصعقة الكهربائية، عيونها جاحظة، ترتجف بعنف كأنها امرأة في المخاض، تدفق ضوء وحشي أحمر كالدم فوق أشجار النخيل، غطست الدنيا في بركة الدم، عيون المحارب الأسطوري بُهرت بمشاهدتها طفو الأسماك كمن يراقب موكبًا ملكيًا.

مظلومة

دبكات، أهازيج، نقر دفوف ترافقه موسيقى عذبة لمزامير عاشقة، وشموع كبيرة تضيء مأخوذة بالبدر النيساني الذي يتألق فوق القضاء الذي أعمل فيه مدرسًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت