فهرس الكتاب

الصفحة 18 من 39

القمر منير في عرشه، تدغدغه غيمات بيضاوات رشيقات، خُطا الرجل الأنيق تتعثر بأحجار الطريق، داهمه نباح كلاب شرسة، كأنها خفافيش من نار اخترقت أذناه، رأسه، جسده، انحنى يروم التقاط حجر يدفع به شر الكلاب. كان الحجر عبارة عن: رأس كلب صغير، بعينين حمراوين لامعتين كالجمر، يظهر رأسه ورقبته من الأرض. شهق مرعوبًا، تردد صدى شهقته عريضًا في الزقاق، ابتعد بعض خطوات مرتبكة، انحنى على حجر آخر كبير، فإذا هو كلب برأس أبيض وبوز أسود، ونفس العينين الحمراوين اللامعتين. ارتجف، تضعضع، تلفت حوله كعصفور تحاصره النيران، دارت عيناه في محجريهما، نظر إلى أعلى وجد القمر يتكئ مسترخيًا على وسادة من الغيوم البيض.

ارتفع صدى الرجل الأنيق باللهاث، والكلاب تنبح بشراسة، عيناه عبثًا تبحثان في الظلمة عن حجر، تقدم الكلاب الجائعة، وبلا توان راح... يشاركها عواءها.

ورود الغابة

في صبيحة يومها السابع، حياتهما تنساب كالينبوع المتدفق من بين الصخور، لمس شعر زوجته، أبصرته بعينين سوداوين سعيدتين، قائلة بلهجة جذلى:

ـ ضمني إليك! ضمني.

تفتت الصخور المحيطة بالينبوع، وتدفقت مويجاته كنغمات بيانو يطلقها تشايكوفسكي، ابتدرها متهللًا بقوله:

ـ لقد حلمت بك ليلة أمس.

بدا وجهها القمري سعيدًا بخالها الأسود الذي صنع له عرشًا جميلًا على صفحة خدها الأيسر، تألقت ابتسامة عذبة راحت تداعب الشفتين الناريتين، أسندت رأسها على كف يدها اليسرى: قالت بمرح:

ـ اروه لي؟

شعت عيناه بلهيب الحب، فقال:

ـ أتيتيني كشلال دافئ، بملابس بيضاء، بيدك رغيف خبز أسمر، أعطيتيني إياه، قلت بعدما ابتسمت بدلال:

(( لم أرتو منك بعد ) ).

من الخارج أتاهم صوت أمه المبحوح، قائلة:

ـ صباح الخير يا عرسان! هيا... استيقظا لتذهبا إلى النهر... إنه يومكما السابع.

أطرقت زغرودتها بفرح، راح يجوب المنزل كأنه أمير يبحث عن محبوبته لينبئها بخبر سار.

سارا متهاديين على طين الشاطئ كان النخيل زاهيًا شامخًا، أقدامها تترك آثارها فوق الطين كأنها، خرائط لمدن بدائية يسكنها المحبون فقط، الحمائم المطوقة تهدل بسعادة، بدا النهر بلون الفضة ساطعًا ساكنًا، قالت له:

ـ إنك حلمي الذي طالما حلمت به.

ابتسم بوجهها، أمسك عن الكلام، تابعت وفي عينيها التماعة غريبة:

ـ عشت بذاكرتي أملًا، فكنت حياتي التي أعيشها معك حتى النهاية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت