فهرس الكتاب

الصفحة 19 من 39

انفرج فمه عن ابتسامة مرحة، انحنت وبيدها إبريقها النحاسي على الماء، انحسر ثوبها عن فخذيها الأبيضين الممتلئين بعدما شمّرت عباءتها خلف ظهرها غطّست الإبريق بالماء عنوة، تصاعدت بقبقة دخول المياه إلى فوهة الإبريق، ضحكا بصوت جذل، فقال لها:

ـ أحبك.

رنت ضحكتها من جديد، سقطت العباءة عن رأسها، فتمايلت ضفيرتها السوداء الطويلة، تعانق لذلك سعف النخيل بلهفة مرسلًا صوتًا ناعمًا يقول: (( باركهما يا الله! ) )

بغتة صمتت كل الأصوات، كف سعف النخيل عن العناق، خرق السكون صوت زئير رهيب، تنبه أومن مخطوف اللون، هتف بهما شخص من الخلف:

ـ ماذا تصنعان هنا في أملاكي يا تعساء؟.

تلعثم زوجها على إثر رؤية (( شاب ) )برفقته مجموعة من الحراس، ونمر بعينين وحشيتين، سأله بصوت مخنوق:

ـ ماذا تريد؟

نظر إليهما صاحب النمر بصمت، ثم تساءل بوقاحة:

ـ أريد زوجتك؟!

فزعت كل الحمائم، انحسر النهر الفضي هاربًا كحيوان قارض إلى جحره في الضفاف المتآكلة، دوت كلمته كرصاصة أطلقها وغد في مسجد يعج بالمصلين، انكمشت راقية، بهت لونها، شمس وجهها انطفأت، تمسك يداه بالإبريق، انتفض قائلًا بغضب:

ـ اصمت يا وغد وكفاك إثمًا.

هجم عليه الحراس وقيدوه، راح النمر يطلق زئيرًا حادًا متواصلًا، ابتسم صاحب النمر، وقال بثقة:

ـ زوجتك لي..

عض بأسنانه على شفته السفلى، اشتعلت عيناه اللوزيتان بنار الغيظ، تلاحقت أنفاسه مسرعة، خرج صوته متحشرجًا:

ـ ماذا يا آثم؟

أجابه بصلف:

ـ زوجتك ستكون خليلتي. أتسمع!

زعق بوجهه:

ـ تبًا لك... اتركوني... اتركوني...

صفعه أحد الحراس، وقال له:

ـ تكلم بأدب يا كلب. إنه الأمير.

فزعت الحمائم المطوقة، وراحت تحرك أجنحتها الرصاصية بعنف، تكسرت آنية الفضة، تحرر الماء من أسره، هرب الهواء من رئتيه، تلاشى صوته، خارت عزيمته، وعيناه تستغيثان.

قذفت زوجته الأمير بالإبريق النحاسي، تحاشاه الأمير، سقط الإبريق على عقبه على بعد أمتار عنه، تقافزت منه لآلئ الماء بقوة إلى الأعلى تعلن عن احتجاجها، هرع حارسان لإمساكها، قاومتهما بجنون، طار سرب الحمام المطوق فوق الضفة، هدلت بأصوات جنائزية نائمة: (( يا الله... يا الله... ) ).

زأر نمر الأمير، الشمس ساطعة تحبو على سجادة السماء الزرقاء كطفل تعلم الحبو، أمر الأمير حراسه قائلًا:

ـ أيها الحراس عرّوها!

انطلقت صرخة جبارة من فمها رددتها ضفتا النهر:

ـ أغثني يا زوجي!

شعر زوجها بالضلال، هتف ضارعًا:

ـ أغثنا يا الله... أغثنا!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت