ليل أيار مبهم بعتمة أحرقتها نيران صغيرة تضيء منذ الأزل، مثل شعلات أولمبية موزعة في ميدان واسع، عيناه طائران أبيضان يحلقان اشتياقًا في الفضاء. فجأةً! انقطع التيار الكهربائي عن المدينة. ألقت السماء عباءتها عن رأسها فوق أكتاف الأرض، أصبحت المدينة كبدوية تتشح بالسواد تبكي زوجها الميت، صدح بصوت مسموع كمن يشاهد الجبال كلها تنهار فوق رأسه:
ـ يا إلهي. ما هذا؟ يالهُ من نجمٍ غريبٍ؟!
نجمٌ عملاق بذنب كبير، يجري كفرس شهباء في بيداء السماء، مخلفًا وراءه سحابة ضوء أبيض، عن يساره كان القمر قرصًا أحمر كالدم يتكئ بخدر فوق وسادة مرصعة بالنجوم، شعر بالضياع، تاه في دروب معتمة، في دهاليز العبث، شرعت أسراب غربان القلق تنعب في رأسه أفكارًا مشوشة، وشوش لنفسه قائلًا: ـ ظهور النجم المذّنب يجلب معه الموت.
بقيت عيناه العسليتان تحلقان بجانحين من عسل في ريح تلهث كوحوش تمتد زفراتها بعيدًا محركة السكون، فتولد النسمة العذبة تزيح الأسى من النفوس، خطفه صراخ فتاة تطلب النجدة.
رمى جلباب الموت عنه، تصاعد الدم إلى صدغيه، تجاسر ضاربًا رجلًا أبيض كالقطن... طويلًا بعينين زرقاوين طويلتين كعيون القطط، كان يراود الفتاة عن نفسها، أكال له لكمات قوية، هرب ذو العيون القططية، فشكرته الفتاة ذات الثلاثة والعشرين ربيعًا بصوت يسقسق كالعصافير:
ـ شكرًا لصنيعك هذا... يالك من شهم!
أطلقتْ تنهيدة، جعلت العرق يتفصّد من جبينه باردًا، ثم استطردتْ تقول:
ـ كنت أحسبُ الدنيا قد خَلتْ منها المروءة!
كان كلامها كنبضات موسيقى، تقلّب أوراق الروح، لتخط نوتة الثقة سُلَّمها الموسيقي جعل الليل يطوي دروب السماء الإسفلتية العريضة، لملَمَ الظلام نفسه متكورًا كطفل يضم ساقيه بيديه من شدة البرد، قال لها بصوت متهدِّج:
ـ كنتِ على وهم؟
أجابته بتلقائية:
ـ نعم.
برقتْ عيناها الشهلاوان الكبيرتان بوميض ناري لمعرفتها بخفايا الحياة، سطعت عيناها بنيران مجوسية، قال هامسًا: ـ نحنْ مخدوعون!
يشّع النجم المذنّب بتمزيقه الظلام، تتساقط قطع من سماء إسفلتية تتشوه بانغماسها في ضوء ذنبه البراق، صرختْ به بحدة، كلماتها كسمكة قفزت على صفحة النهر بقوة:
ـ أنتم يا معشر الرجال مخدوعون.