تأملها بوجهٍ غلفته موجة ضباب جلبتها كلماتها القاسية، لوح بيديه حائرًا، أنه لا يعلَم! انحدر شهاب لامع يرجم الظلمة خلفها تصدع في جسمها إيقاع ألحان التمرد، انطلق بعقله لحن مشاغب يحرك شفتيه بكلمات الوداع، قائلًا:
ـ إلى اللقاء.
كطائرٍ خطافٍ، جاءته كلماتها:
ـ أكمل جميلك، أوصلني إلى منزلنا.
قصر مضيء على شكل مسجد، يعتمر قبعة من مصابيحٍ كاشفةٍ تنير اثنتي عَشَرَةَ قبة خضراء، يلّف القصر شال أضواءٍ فضيةٍ تضفي عليه قدسية تفيض بريقا،ً تزدحم شموسه لتصنع شمسًا سرمدية تنوس بها اثنتا عَشَرَةَ منارةً بزخارفها السيراميكية الخضراء، تلصف في هدأة الليل الأياري، شرعت تنهش رأسه ديدان عدم التصديق:
ـ استيقظوا يا مخدوعي العالم!
عند بوابة القصر، وقفت فتاة حارسة كأنها فسفورٌ يحترق، داهمته وساوس الخوف تتعثر في صدره قال لها:
ـ ها.. قد وصلت منزلكم، لم يعد وجودي ضروريًا.
ألهبتها كلماته، تساءلت بحنو دافئ:
-أسمعت يومًا بمضّيفٍ يطرد ضيفه؟
ابتسم مستسلمًا، فاخترقتْ السكون ضحكتها الرنانة، انتشرت تزيح ظلمات وثنية امتدتْ معها ألسنة الأضواء تلعق أشجار التوت، انتشى التوت الأحمر بدغدغة نسمات باردة، بثت فيه الثقة بمحدثته، قال:
ـ كلا...
أشارت بيدها أن يلج بوابة القصر، اكتفى بابتسامة ساذجة أظهرت غمازتيه، دخلا سوية ممرًا طويلًا جدرانه مغلفة برخام أبيض تزينه زخارف أندلسية، أفضى بهما الممر إلى قاعة تسبح على جدرانها بقع الضوء المتوهجة، تضيء لوحات نساءٍ شقراوات عاريات، فيبارك نور المصابيح لوحات لطيور حب بمناقير ذهبية، ببغاوات بذيول حريرية، غزلان بقرون عاجية، أرانب بيض بعيون زمردية، اجتازا القاعة نحو قاعة جانبية جدرانها مغطاة برخام أسود، سقفها تزينه فسيفساء غاية في الروعة، يلتمع أمام زواياها الأربعة مباخر نحاسية لامعة تنفث بخورًا يضوع برائحة العنبر، بغتة، تحولت الفتاة إلى لهب أشقر سرعان ما استوى إلى فتاةٍ يشتعل جسدها العاري لهبًا غمر القاعة نورًا، تراجع مذعورًا، ارتعد، اصطكت أسنانه ببعضها، دخلت عليهما فتاتان ناريتان عاريتان، أراد أن يصرخ، فمه مفغور، فأغمض عينيه، المنذهلتين من شدة إشعاعات أجسادهن الفتية، فاحت رائحة بخور طيبة، مشتْ ثلاثتهن نحوه، راحتْ مهاميز ذهبية مربوطة بأرجلهن تحتك بالأرض فتطلق شظايا نارية حارقة، رفع يده اليمنى أمام عينيه يتلافى حدة الضوء، هتفتْ به إحداهن:
ـ أعلمت كم أنتم مخدوعون معشر الرجال؟