تصاعدت دوامات البخور تحتضن ضفائر النور بحنين مفرط، أحس أن قلبه سيتوقف، كّف عن الحركة، تساءل مذهولًا:
-مَنْ أنتنَّ؟
أجابته إحداهن: نحن الموت...!
تساءَل مبهوتًا:
-ماذا؟
قالتْ إحداهن باستخفاف:
عندما يظهر النجمُ المذَّنب نحّل معه، جالباتٍ الموتَ للبشر!!!
قال مستنكرًا كلامها:
ـ لكن البشر يموتون بالجملة كل يوم... بل بالساعات... فما دخلكن بذلك... أنتنَّ كاذبات.
جلجلت ضحكاتهن الهازئة ترج القاعة، تكلمتْ فتاته:
ـ إنك تخاف كل شيء، تخاف الموت، نفسك، وتخافنا.
كلماتها كبقايا خطوات مطبوعة فوق رمال متحركة، قال بعصبية مما جعل لكلماته إيقاعًا حديديًا يصطك وسط القاعة:
ـ نحن جيل الخوف يا هذه... بذار نساء الرعب... أيام الخوف أرضعتنا... وأصابع الشقاء الحديدية فطمتنا... يا جالبات الموت.. أسمعتـ...
قاطعته الأخرى بغضب:
ـ اصمت. لنْ يجديك ذلك نفعًا، لابد من موتك.
حدّق فيهن بنظرة شفقة، وقال بهدوء:
ـ الموت راحة لبائس مثلي، وستصنعنَ خيرًا لو عجلتنَّ بموتي.
عقبت فتاته:
ـ يا هذا. نحنْ لسنا بشرًا.
لم يجبها، تكلمتْ صاحبة الضفائر النارية بصوتٍ صداحٍ:
ـ إذن سنصنع معروفًا بقتلك.
زكمت أنفه رائحة فمها الشيطانية، أجابها:
ـ بالتأكيد فكل ظالم يقول جئت بالخير، ومعروفه بقتل الناس.
همستْ بأذنه:
ـ ستموت... أنت الآن في مملكةِ الفجيعةِ، برحاب الفناء، لا حياة لك!
مطّ شفتيهِ، وقال بثقة:
ـ لقد عشتُ أزمنة الخوف، البؤس، الغربة، وما أجمل أن أعيش لحظات الموت!
اقتربتْ صاحبة الفم الشيطاني، لتقول بمرارة:
ـ إنك تحيا بالأوهام... فهي زادكم يا بشر.
أجابها بنبرة ساخرة:
ـ أنتنَّ الوَهم بعينه!
صفعته بعنف، بينما الأخريات سَحَبْنَهُ من ياقته نحو بابٍ جانبي أفضى بهن وسط قاعة مملوءة بالجثث الممزقة، تخدرت حواسه، اضمحلت الأشياء مندفعة نحو ظلمات مجهولة، مزقّن ملابسه، أضحى عاريًا مذهولًا وسطهن كرجل يدخل عاريًا حمام نساءٍ، غطى بيده عورته، تدافعت ضحكاتهن الماجنة تخنق ثقته بنفسه، أمسكتْ كل فتاة بيد من يديه حّل أمامهن الرجل ذو العيون القططية ممسكًا برجليه، مددوه فوق مصطبة مرمرية بلون الجمر، أطلّت أمام عينه جمجمة معلقة بالسقف، أشارتْ ناحيتها إحدى الفتيات، قائلةً:
ـ إنها جمجمة الحلاّج.
حينما شاهدها، شعر أنْ حياته لها قيمة. لأول مرة يتمسك بالحياة.. فجر بداخله إحساس سيطر على تفكيره راح يكبر.... يكبر.... ليسع العالم بأسره، هتف صارخًا: