فهرس الكتاب

الصفحة 24 من 39

ـ عجّلن بالموت... عجلّن.

سحبن مهاميزهن بعنف، راحت المهاميز تحرث جسده، أحدثت فيه شقوقًا عميقة غير مرتبة، عُزفت سمفونية العذاب الأبدية ألحانها الراسخة بالروح: قابيل يذبح هابيل ـ الحلاج يصرخ ما في جبتي إلا الله. وهو كالمنذور يدور ضالًا بأفلاك سديمية، تدفق دمه راقصًا مخضبًا سواقي الجسد المحروث، ترافقه نفثات بخار ممزوجةٍ بالدمِ، هجم الألم يلتهمه، زعق بقوة:

ـ يا الله نجني من هذا العذاب.

صُعقت الفتيات لذكر كلمة الله، وبينما دمه، يتعثّر متخبطًا بسواقٍ حُرثت جديدًا، تذكر جدته لأمه إذا ما أصابها بأس، تقرأ آية الكرسي، ارتجف قلبه خاشعًا، بصوتٍ مسموعٍ رددها، والفتيات يمزقن جسده حانقات، استمر يتلو الآية الكريمة، وصَلَ إلى قوله تعالى: { ولا يؤوده حفظهما } ارتجفن. خبت نارهن. كررها ثانيةً { ولا يؤوده حفظهما } . ثالثةً تلاها، ندت عنهن صرخات وحشية. رابعة أعادها. ارتعشن رعبًا. انكمشت أجسادهن النارية. خفتت نارهن، تصاعدت أبخرة رصاصية تخنق أنفاسه، غص جو الغرفة بسحب دخان كثيفة تقبر موجات الضوء الشابة، للمرة الخامسة والستين رددها. احترقن كملابس صوفية رثة. للمرة الثامنة والسبعين أعادها على مسامعهن، تحولن إلى رماد رصاصي ثقيل، ترتفع منه أبخرة زنخة تلهث فوق صدر فجيعتهن، أغفى وهو يكررها { ولا يؤوده حفظهما } .

بندقية الحاج مغني

(( إِنَّ ما يمنعني عن التفكير في الموت أنَّ في داخلي قدرًا كبيرًا من الحياة ) ).

(( ألبيركامو ) )

سرقه صوت الرصاص مما هو فيه من خدر، حطم جدران الأمان، تصدعت سقوف الخدر، هيهات بعد ذلك أن يحصل على الاستقرار، تساءل في ذات نفسه، من يا ترى قد توفيّ في القرية؟

استأنف رجال القرية إطلاق الرصاص، والسماء تزغرد مزدانة بنجوم مضيئة سرعان ما تتخافت، تذوب أمام برد السماء الحبلى بالنجوم الغازية من فوهات ملتهبة.

هرع (( الحاج مغني ) )متأثرًا لوفاة عزيزه، وصديقه (( الحاج دنيف ) )اجتاحته أحاسيس فقدان جزء من الروح، غالبته دموعه، هاجت في مقلتيه تكسر جدرانًا شفافة من الروح العذبة.

بدأت الشمس ترسل أشعتها دافئة، وثمة أسراب من الطيور تستحم بالدفء تحت وهج الشمس، حضر (( الحاج مغني ) )مجلس الفاتحة، وبمعيته مجموعة كبيرة من الرجال. أطبقت الظلمة في طريق عودته، وجد باب داره مفتوحًا، ولجه مستغربًا، جال في خاطره العديد من المخاوف صرخ عاليًا:

ـ بنت الناس!

فلم يأته أي جواب، فعاود الصراخ:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت