فهرس الكتاب

الصفحة 25 من 39

ـ بنت الناس...! يا بنت الناس...!!!

تسمر (( الحاج مغني ) )مذهولًا، شعر بأنه محاصر بعاصفة من القلق القاتل الذي بدا ينهش أحشاءه، تجهم وجهه وشرع يبحث في كل مكان عن زوجته: (بنت الناس رمان) التي تزوجها على نسائه الخمسة، مما حدا بأولاده الكبار الاعتراض على والده لزواجه من امرأة شابة- غانية ـ إلا أنه في لحظاته القادمة تبادر إلى ذهنه خطف امرأته، خرج إلى المنازل المجاورة يسألهم عن زوجته، جاءه الرد، كما توقعه، انبجست الدموع الحبيسة من عينيه، وقد لاحت خيبة الأمل على محياه، قال بصوت مفجوع:

ـ لن أدعها تضيع مثلما ضاعت سنوات عمري بين الأرض، وقأقأت نساء الدجاج.

أتم الليل نصب خيمته السوداء على القرية، هاجت أحاسيس تنمو في الصدر، وكأنها طحلب يمد فروعه في كل مكان، وعواصف ربد بدأت تجوب طرقات مظلمة، موحشة، تخفق فيها تساؤلات يتيمة كأنها جراح حبيب خلفته تجربة حب شقي، فتنزف جراح القلب ما دامت العاصفة مستمرة من شدة العذاب عض على نواجذه من وطأة الحسرة.

أراد أن يعبر عن اختطاف زوجته بالفعل عقد عزمه على أخذها بالقوة، بهذا ساقته خطواته إلى منزله ليأخذ معه بندقيته التي رافقته في حروبه كلها، أمسكها بقبضتيه القويتين، ضغط بشدة عليها فشعر كأنه مارد باستطاعته أن يقاتل جيشًا عصريًا لوحده، فيما مضى خاض معارك عديدة دفاعًا عن القرية ـ عن أرضه ـ عن ماله. أما الآن وقد شارف على السبعين فمعركته هذه إثبات وجوده، معركة مع ذاته، وليس مع أولاده، معركة تجعله يرفض كل قيد ـ كل شرط ـ كل ما بإمكانه أن يمس وجوده.

وبينما هو سادر في عزمه لمقاتلة أولاده، انطلقت صليات متتالية من الرصاص فوق رأس (( الحاج مغني ) )من رشاش ابنه البكر، بعدما تموضعوا بساتر ترابي أمام دارهم، فلم يأبه بصلياتهم وكأنها أسراب من البعوض، مما دفع ابنه إلى معاودة إطلاق صليات متعددة، متعاقبة، غرضها ثني والده عن عزمه. قال (( الحاج مغني ) )بصوته الهادر:

ـ اضربوا ما استطعتم! فأنا قادم.

قال ابنه الأوسط لأخيه:

ـ تنح جانبًا لكي أكسر ساقيه بقناصتي هذه.

فشل في إصابة أبيه، وبدلًا من إصابته بساقيه فإذا بالرصاصات تترك ثقوبًا في ثوب أبيهم بعدما ألقته على الأرض، وبهذا استمرت رشقات بنادق أولاده، فاض قلبه في فمه، تمنى لو كان صقرًا لحلق في الفضاء هاربًا من مقاتلة أبنائه.

صرخ بهم من جديد بعدما نهض من على الأرض:

ـ اضربوا فأنا قادم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت