فهرس الكتاب

الصفحة 26 من 39

غذَّ السير نحو هدفه، وصدى الرصاص يتناهى إلى مسمعه وكأنه همسات عتاب. فملأه بالاعتزاز، والانعتاق مما هو فيه من حالةٍ لا يحسد عليها، قال باحتجاج عنيف:

ـ إنني أعيش حلمًا مزعجًا. آه واحسرتاه.

قالها (( الحاج مغني ) )، وقد جف حلقه، تيبست شفتاه، شعر بالحزن لأجل ذلك، خاض بمجاذيف حزنه وسط بحر الرصاص الهادر ـ وماهي ـ إلا لحظات، وإذا به ينتصب وكله ثقة، وأمله يرفرف أمامه كرايات بيض تتجاسر ملوحة لكل أهل القرية من الشيوخ والشبان الذين تجمعوا لوقف حرب الأب مع أبنائه، تأملهم قائلًا:

ـ أحضروا لي زوجتي قبل أن....

قاطعه أحدهم قائلًا:

ـ هدئ من روعك يا حاج.

أجابه مستغربًا:

ـ كيف تريدوني أن أهدأ وأنت تشاهد بأم عينيك ما يفعله أبنائي؟

قالها، ولمعان الأبوة يشع في عينيه السوداوين. سألهم في ذعر:

ـ أين زوجتي؟

أجابه ابنه البكر:

ـ إنك تحرق نفسك بيديك، وتجعلها ملعونة دنيا وآخرة، لقد جعلتنا مضغة على كل لسان من أجل مو....

تناول بندقيته مباعدًا عتلة أمانها متهيئًا للرمي، فتراه كمن يصارع غولًا حين سماعه كلمات ابنه الكبير، اجتاحته رعشة لا مرئية من الغضب ـ فصوتها يسري في جسده كفحيح أفعى، أخذ (( الحاج مغني ) )نفسًا عميقًا استعدادًا لرمي أولاده ـ لولا ـ تدخل أحد شيوخ القرية في لحظة شروعه برميهم قائلًا:

ـ لك ما تريده هدئ من روعك يا أبا مطرود.

هتف ابنه معترضًا، وصوته يسابق فعله:

ـ لن يأخذها إلا على رقابنا.

صدم (( الجاج مغني ) )بجواب ابنه، امتلأت عيناه بدموع حارقة تلهب وجنتيه، تملأان عينيه غشاوة، غاب عن الحياة برهة.. تلك الحياة التي أخذ العمر فيها يذهب كخيط الدخان وسط صحراء قاحلة، وصوت أنفاسه اللاهثة كأنها أنفاس أفراس النهر المهتاجة من شدة الجوع، دقات قلبه متسارعة تشابه دقات قلب عداء المسافات الطويلة، قال برزانة:

ـ خاب أملك يا بني، فما زلت أستنشق البارود وصفا الرصاص يحرسان صدري. تمرق رصاصات غادرة فوق رأس (( الحاج مغني ) )، لكنها كهالة تحيط بالقمر، فكان مشعًا ككتل الضوء التي تحملها حشرات صغيرة في مؤخرتها، وبأجنحتها الشفافة تدخل به إلى عالم لم يألفه، كان ينظر إليه فيما مضى على أنه الوجود الحقيقي في مقارعة أعدائه. أما الآن فلا. كيف يحارب أولاده؟ أي وجود سيثبته لنفسه بمقاتلتهم؟ فقال في نفسه ملتاعًا:

ـ سأرتكب جرمًا إن قاتلتهم.

تدخل أحدهم مانعًا حدوث كارثة بقوله:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت