قال قائل قريش: يا معشر قريش إنه والله قد نزل بكم أمر ما أتيتم له بحيله .. قد كان محمد غلاما حدثا فيكم .. أصدقكم حديثا وأعظمكم أمانة .. حتى إذا رأيتم الشيب في صدغيه قلتم ساحر كاهن شاعر مجنون .. والله ما هو بذلك فانظروا في شأنكم .. وما معهم إلا العناد وما بهم من العقل من الإنصاف مثقال درهم .. أجمعوا رأيهم على أن يفاوض ويغرى بالدنيا والنساء .. وهو القائل صلى الله عليه وسلم:"فاتقوا الدنيا واتقوا النساء".. انتدبوا لتلك المهمة أبا الوليد بن عتبة .. فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: يا محمد أنت خير أم هاشم ؟! أنت خير أم عبدالمطلب ؟! أنت خير أم عبدالله ؟! فلم يجبه رسول الله صلى الله عليه وسلم .. لأنه يريد هدايته .. فمن الحكمة أن لا يدخل معه في معارك جانبيه تعيقه عن ذلك الهدف .. لقد كان بإمكانه صلى الله عليه وسلم أن يقول أنا أفضل وصدق .. فهو سيد ولد آدم أجمعين .. لكنه بذلك قد يضيع الفرصة الذهبية من هداية هذا الرجل .. وكان بإمكانه أن يثني على آباءه بما فيهم من صفات حميدة .. لكنه بذلك يتيح الفرصة أن يلزمه بما يترتب على ذلك من إتباع دينهم .. وقد فعل ولذا آثر بحكمته عدم الإجابة .. فالسؤال لا يستحق ذلك .. لأنه ليس في صميم الموضوع الذي عقد من أجله الحوار .. فهم عتبة ذلك فقال: إن كنت تزعم أن هؤلاء خير منك .. فقد عبدوا الآلهة التي عبت .. وإن كنت تزعم أنك خير منهم .. فقل حتى نسمع قولك .. والله ما رئينا سخلة أشئم على قومه منك .. فرقت جماعتنا .. وعبت ديننا .. وفضحتنا .. والله ما ننتظر إلا مثل صيحة الحبلى .. فيقوم بعضنا إلى بعض بالسيوف .. فنقتتل حتى نتفانى .. وياله من عور عن الحقيقة ..
لابد في العور من تيه ومن صلفا ** لأنهم يحسبون الناس أنصافا
من أين يدري الفضل معدومه ** لا يعرف المعروف إلا ذووه
تظن بعض القوم علامة ** وهو إذا ينطق بوم يفوه