حدود الأردن، وطريف، إلى حقل وحدود الساحل الغربي رجوعًا إلى المدينة وخيبر والعلا وتبوك ونحو ذلك وهكذا إلى الرياض، ثلاثة أشهر ونصف لتفقيه البادية وتعليم الناس في تلك المناطق أمور دينهم، ولا أعرف في هذا الزمان عالمًا رحل في التدريس وإقامة الدورات العلمية، ودخل القرى والهجر والبلدات كالشيخ عبد الله بن جبرين رحمه الله، ولا أعرف كذلك شيخًا شرح عددًا كبيرًا من الكتب في أسبوعٍ واحد، نحوًا من سبع وستين كتابًا، وأحيانًا أربعة وخمسين كتابًا في الأسبوع الواحد، وهكذا يُقرأ من كل كتاب ويكون فيه شرحٌ، وكتب اليوم لا تجدها غدًا، وغدًا لا تجدها بعد غدٍ وهكذا، هكذا يورث العلم من الشيوخ، وهكذا ينشر وهكذا تكون الإفادة ويكون النفع، ليس العالم كبئرٍ من جاء دلَّ واستقى، وإنما هو كغيث يمرُّ فينفع البلاد والعباد، يؤتى ويأتي ليس كالبئر فقط، وإنما هو كالسحابة أيضا.
وحضر عند الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله من سنة خمس وسبعين وثلاثمائة وألف للهجرة إلى سنة ثمانين في بيته، في الدروس، في تصحيح فتح الباري، هذا أحد المهام على أربع نسخ تقابل في طبعات متفرقة، ونسخ خطية، هذا يقول عندي فارق كلمة، وهذا يقول عندي نقص، وهذا يقول عندي زيادة، وهذا يقول عندي اختلاف، هكذا تصحح النسخ فوثق به الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله، فأوكل إليه إمامة الناس في الجامع الكبير، وكان يحيل إليه بعض مسائل الفرائض المستعصية، فكان الشيخ عبد الله بن جبرين رحمه الله يَحُلَّها، لأنه كان قد تخصص في الفرائض على شيخه عبد العزيز بن ناصر بن رشيد أربع سنين يدرس عليه.
حياته وزهده في الدنيا
لم يكن الشيخ من جماعي الأموال، ولا من الطامعين في الدنيا، ولا من المتاجرين والمشغولين بالصفق في الأسواق، ولذلك عاش في كفاف، قلت له هل كان أبوكم يضع لكم جوائز للحفظ؟ قال: من أين؟ لم يكن عندنا شيء، خمسين صاع بر للسنة كلها، هذا ما لدينا، ولمَّا تزوج في عام واحد وسبعين وثلاثمائة وألف ما استطاع أن يأتي بزوجته إلى الرياض إلا في عام سبعة وسبعين، سكن بيتًا من طينٍ وخشبٍ سبعة عشر عامًا، وبنى بيته الذي مات وهو فيه بقرضٍ من الصندوق العقاري، التفرغ للعلم يعني التضحية، العلم كثيرٌ إن أعطيته كلك أعطاك بعضه، وهؤلاء العلماء يسهرون يطالعون يقرؤون يحفظون، يُدرّسون، ويدرسون، يراجعون يعملون يربون ينسخون يكتبون يفتون وبالهاتف يجيبون، وإذا دخلت إلى مكتبه في الإفتاء فيرفع سماعة والأخرى على الطاولة، وأمامه من يسأله، وعلى الطاولة أوراق يكتب فيها فتاوى، وطالب يقرأ عليه إذا وجد فرصة، مواصلة، تعب، دأب، انتقال، سفر، بركة في الحضر، ونفع في السفر، وهكذا حتى صلة الرحم، والإحسان إلى الجيران، والعناية بالفقراء والمساكين، والشفاعات وهو أبو الشفاعات، وفي مجلسه في بيته يعقد نكاحًا، يكتب في مسألة، يستقبل ضيوفًا، يُقرأ عليه، والهاتف يعمل، والعمل متواصل، والبذل، فما حال هؤلاء الذين يقال لهم اليوم ماذا تفعلون في الإجازة الصيفية يقولون: نوم في النهار، سهر في الليل، سوني استيشن، ما سنجر، انترنت قنوات، وأحسنهم الذي يتفرج على المباريات، فضلًا عن الذين يشاهدون الأشياء الأخرى، إن الله خلق للمراتب العليا في الجنة أهلًا يصطفي الله من يشاء من عباده، ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة، وحفت الجنة بالمكاره، الجنة تحتاج إلى تعب، الجنة تحتاج إلى نصب، تلك