وعده أبو البركات البلفيقيّ من أهل المعرفة بعلم القراءات, وصناعة العربية, وعلم البيان, والآداب, والعروض والقوافي, مشاركا في غير ذلك من الفنون (21) .
وأثنى عليه لسان الدين بن الخطيب (776هـ) , وعلى معرفته بعلوم الحديث؛ فقال عنه:"كان واسع الأسمعة, عالي الإسناد, صحيح النقل, أصيل الضبط, تام العناية بصناعة الحديث, قيّما عليها, بصيرا بها, محققا فيها, ذاكرا فيها للرجال" (22) .
وتابعه ابن فرحون في الثناء عليه؛ فأشار إلى تضلّعه من العربية والفقه والأدب والتاريخ والقراءات (( 23) .
أما ابن خلدون فقال عنه:"كبير مشيخة المغرب, وسيد أهله, وشيخ المحدّثين والرحالة" (24) .
والناظر في رحلة ابن رُشيْد وغيرها من مؤلفاته يستطيع أن يقف على غزارة علم الرجل, وسعة معارفه, وتنوّع ثقافته, بما يجعله يحمل لقب عالم بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى عند القدماء.
وإلى جانب غزارة علمه, كان شاعرا مُجيدا , تصرّف في غير ما موضوع, وبعض أشعاره منثور في رحلته, وفي بعض مصادره.
رحلة ملء العيبة:
يُعَدُّ كتاب"ملء العيبة"من أنفس ما كتبه ابن رُشيْد, لما تضمنه هذا الكتاب من فوائد علميةٍ كثيرةٍ, وقد وصل إلينا من هذه الرحلة نسخة خطّية واحدة غير كاملة, منسوخة بخط المؤلف ما عدا الجزء الثالث منها, قرأها عليه تلميذه الأديب عبد المهيمن الحضرمي, كما يظهر من التقييدات الموجودة عليها, وانتقلت بعد ذلك بالمُلك بين أسر مغربيةٍ معروفة كعائلة الونشريسي والمنجور, ثمّ آلتْ إلى مكتبة دير الأسكوريال بالقرب من مدريد.
ويقع المخطوط في سبعة أجزاءٍ كما ذكر المؤرخون, ضاع منها اثنان, ووصل إلينا خمسة هي (25) :
الجزء الثاني: ويتضمن الحديث عن مدينة تونس عند الورود, وقد ترجم فيه لستة عشر شيخا وأديبا وعالما من أهالي تونس والمقيمين فيها (26) .