فهرس الكتاب
ثم يبين رحمه الله موازين النصر والهزيمة في عقيدة المسلم فيقول عن غزوة بدر:"كانت فرقانا بين تصورين لعوامل النصر وعوامل الهزيمة. فَجَرَت وكل عوامل النصر الظاهرية في صفِّ المشركين، وكل عوامل الهزيمة الظاهرية في صف العصبة المؤمنة، حتى لقال المنافقون والذين في قلوبهم مرض { غَرَّ هَؤُلاَءِ دِينُهُم } [الأنفال: 49] ، وقد أراد الله أن تجري المعركة على هذا النحو وهي المعركة الأولى بين الكثرة المشركة والقلة المؤمنة لتكون فرقانا بين تصورين وتقديرين لأسباب النصر وأسباب الهزيمة، ولتنتصر العقيدة القوية على الكثرة العددية وعلى الزاد والعتاد، وأن أصحاب العقيدة الحقة عليهم أن يجاهدوا ويخوضوا غمار المعركة مع الباطل غير منتظرين حتى تتساوى القوى المادية الظاهرية لأنهم يملكون قوة أخرى ترجح الكفة، وأن هذا ليس كلاما يقال، إنما هو واقع متحقق للعيان".
وقال رحمه الله:"وإذْ إن الأمر كذلك، التدبير تدبير الله، والنصر من عند الله، والكثرة العددية ليست هي التي تكفل النصر، والعدة المادية ليست هي التي تقرر مصير المعركة.. فليثبت الذين آمنوا إذن حين يلقون الذين كفروا، وليتزودوا بالعدة الحقيقية للمعركة، وليأخذوا بالأسباب الموصلة بصاحب التدبير والتقدير، وصاحب العون والمدد، وصاحب القوة والسلطان، وليتجنبوا أسباب الهزيمة التي هزمت الكفار على كثرة العدد وكثرة العدة، وليتجردوا من البطر والكبرياء والباطل، وليحترزوا من خداع الشيطان، الذي أهلك أولئك الكفار، وليتوكلوا على الله وحده فهو العزيز الحكيم" (1) .
وقال رحمه الله في بيانه لثمرات غزوة بدر المباركة:"ذلك لتتزود العصبة المسلمة من هذه التجربة - غزوة بدر - الواقعية لمستقبلها كله، ولتوقن كل عصبة مسلمة أنها تملك في كل زمان وفي كل مكان أن تغلب خصومها وأعداءها مهما تكن هي من القلة ويكن عدوها من الكثرة، ومهما تكن هي من ضعف العدة المادية ويكن عددها من الاستعداد والعتاد" (2) .
(1) المرجع السابق: (10/1527) .
(2) المرجع السابق: (9/1481) .