الصفحة 108 من 165

ويقول أيضا:"فأما بدر فقد مضت في التاريخ كله قصة عقيدة.. قصة نصر حاسم وفرقان بين الحق والباطل.. قصة انتصار الحق على أعدائه المدججين بالسلاح المزودين بكل زاد، والحق في قلة من العدد، وضعف في الزاد والراحلة، قصة انتصار القلوب حين تتصل بالله، وحين تتخلص من ضعفها الذاتي، بل قصة انتصار حفنة من القلوب من بينها الكارهون للقتال! ولكنها ببقيتها الثابتة المستعلية على الواقع المادي، وبيقينها في حقيقة القوى وصحة موازينها قد انتصرت على نفسها وانتصرت على من فيها وخاضت المعركة والكفة راجحة رجحانا ظاهرا في جانب الباطل، فقلبت بيقينها ميزان الظاهر فإذا الحق راجح غالب" (1) .

ب - عوامل الهزيمة:

الذنوب والمعاصي:

إن ما يصيب المسلمين من بلاء وهزيمة هو إما بسبب تقصيرهم في الأخذ بالأسباب المتاحة لهم وإما بسبب ذنوبهم ومعاصيهم، فقد يتمادى بعض المجاهدين في استخدام رخصة الكذب في الحرب كما صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه"رخص من الكذب في ثلاث: في الحرب.." (2) فيقترف من الذنوب والمعاصي ما يكون سببًا في ميل نفسه لتلك القاذورات، وبالتالي تكون عاقبتها أن يوكلوا إلى أنفسهم فتحل بهم الهزيمة، لعدم التكافؤ في العدد والعدة. وقد تكون الهزيمة لسبب التمايز بين المؤمنين والمنافقين كما قال تعالى: { أَوَلَمَّا أصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ: أَنَّى هَذا؟ قُلْ: هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ، إِنَّ الله عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير. وَمَآ أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ. وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا } [آل عمران: 165- 167] وقال سبحانه: { وَمَا أَصَابَكُم مِن مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَت أَيدِيكُم وَيَعفُو عَن كَثِيرٍ } [الشورى: 30] وقال: { وَلَولاَ أَن تُصِيبَهُم مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَت أَيدِيهِم } [القصص: 47] ، فالوجب على المسلم الحذر من الذنوب والمعاصي، إذ كيف يرجو الكرامة والنصر عاص لله مصر على معصيته؟!، فالله جل في علاه لا يحابي أحدًا وهو الغني الحميد، فإذا كان الجندي المسلم متلبسًا بمعصية الله فإن الخذلان سيكون أقرب إليه من النصر والإكرام.

(1) في ظلال القرآن: (9/1482) .

(2) سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني:رقم: (545) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت