فهرس الكتاب
يقول ابن القيم رحمه الله:"اقتضت حكمة الله (1) العزيز الحكيم أن يأكل الظالم الباغي ويتمتع في خفارة ذنوب المظلوم المبغي عليه، فذنوبه من أعظم أسباب الرحمة في حق ظالمه، كما أن المسئول إذا رد السائل فهو في خفارة كذبه، ولو صدق السائل لما أفلح من رده، وكذلك السارق وقاطع الطريق في خفارة منع أصحاب الأموال حقوق الله فيها ولو أدَّوْا مالله عليهم فيها لحفظها الله عليهم، وهذا أيضا باب عظيم من حكمة الله يطلع الناظر فيه على أسرار من أسرار التقدير وتسليط العالم بعضهم على بعض، وتمكين الجناة والبغاة، فسبحان من له في كل شيء حكمة بالغة وآية باهرة حتى إن الحيوانات العادية على الناس في أموالهم وأرزاقهم وأبدانهم تعيش في خفارة ما كسبت أيديهم، ولولا ذلك لم يسلط عليهم منها شيء.. ويحكى أن بعض أصحاب الماشية كان يشوب اللبن ويبيعه على أنه خالص، فأرسل الله عليه سيلا فذهب بالغنم، فجعل يعجب، فأتى في منامه، فقيل له أتعجب من أخذ السيل غنمك، إنه تلك القطرات التي شبت بها اللبن، اجتمعت وصارت سيلا، فقس على هذه الحكاية ما تراه في نفسك وفي غيرك. تعلم حينئذ أن الله قائم بالقسط وأنه قائم على كل نفس بما كسبت وأنه لا يظلم مثقال ذرة" (2)
التعلق بالأسباب:
إن تعلق القلب بإعداد الجنود وتجهيزهم، وبذل الأموال الطائلة لتأمين مستلزمات الحرب، وخلوه من استمداد النصر من الله القوي العزيز، سبب في انقطاع العون الرباني والمدد الرحماني، كما حدث للصحابة الكرام في غزوة حنين إذ عاتبهم ربهم على ذلك فقال لهم { وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ. ثُمَّ أَنَزلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَعذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَذَلِكَ جَزَاء الْكَافِرِينَ } [التوبة: 25-26] .
الركون للظالمين:
(1) لا يجوز نسبة القضاء والمشيئة والإرادة لصفة من صفات الله، فحكمة الله لا تقضي ولكن يقال قضى الله الحكيم.
(2) مفتاح دار السعادة، ابن قيم الجوزية: (1/35) .