الصفحة 118 من 165

وقال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في صباح مناظرته للبطائحية في زمن التتار بعد أن استنصر ربه في تلك الليلة لمناظرتهم أمام الملأ:"فلما أصبحنا ذهبت للميعاد وما أحببتُ أن أستصحبَ أحدًا للإسعاد، لكن ذهب أيضا من كان حاضرًا من الأصحاب، والله هو المسبِّب لجميع الأسباب" (1) . وذلك لثقته بربه وحسن ظنه به وتوكله عليه رحمه الله.

2-التهيئة العملية:

أ-الحذر من العدو وعدم الاستهانة به:

فإن الله تعالى أمرنا بأخذ الحذر من أعداء الدين، قال سبحانه: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ خُذُواْ حِذْرَكُمْ فَانفِرُواْ ثُبَاتٍ أَوِ انفِرُواْ جَمِيعا } [النساء:71] ، وأكَّد علينا بقوله: { وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُم مَّيْلَةً وَاحِدَةً } [النساء:102] فهم حريصون على إشغالنا عن حقيقة عداوتهم لنا أو تغيير هذه الحقيقة بنفيها بألسنتهم كما قال سبحانه { يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ } [التوبة:8] . فالواجبُ علينا تصدِّيقُ قول الله فيهم والتعامل معهم على أساس هذه الحقيقة.

ب- إعداد العدة:

أمر الله سبحانه المؤمنين بإعداد القوة للأعداء بعد أن أكد تقدمة التقوى (2) قال الله تعالى: { وَأَعِدُّوا لَهُم مَا استَطَعتُم مِن قُوَّةٍ وَمِن رِبَاطِ الخَيلِ تُرهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُم } [الأنفال:60] .

قال ابن الجوزي رحمه الله تعالى:"المراد بالقوة في الآية أربعة أقوال: أحدها: أنها الرمي وقيل النبل، والثاني: ذكور الخيل، والثالث: السلاح، والرابع: أنه كل ما يتقوى به على حرب العدو من آلة الجهاد. ومعنى ترهبون أي تخيفون وترعبون به عدو الله وعدوكم وهم مشركو مكة وكفار العرب" (3) .

يقول الأستاذ سيد قطب رحمه الله:"فالاستعداد بما في الطوق فريضة تصاحب فريضة الجهاد، والنصُّ يأمر بإعداد القوة على اختلاف صنوفها وألوانها وأسبابها، ويخص"رباط الخيل"لأنَّه الأداة التي كانت بارزة عند من كان يخاطبهم بهذا القرآن أول مرة.. ولو أمرهم بإعداد أسباب لا يعرفونها في ذلك الحين مما سيجدُّ مع الزمن لخاطبهم بمجهولات محيرة -تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا - والمهم هو عموم التوجيه. وأول ما تصنعه هذه القوة في حقل الدعوة:-"

(1) مجموع فتاوى ابن تيمية: (15/52) .

(2) تفسير القرطبي: (8/35) .

(3) تفسير زاد المسير: (3/284) ، طبعة دار الكتب العلمية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت