الصفحة 134 من 165

على الأسير أن يصلح ما بينه وبين ربه ما استطاع، فإن انتظار الفرج عبادة كما قالَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم:"سَلُوا الله مِنْ فَضْلِهِ فَإِنَّ الله عز وجلّ يُحِبُّ أَنْ يُسْأَلَ وَأَفْضَلُ العِبَادَةِ انْتِظَارُ الفَرَجِ" (1) وابشر بالحياة الطيبة وإن كنت خلف القضبان حتى يأتي فرج الله، فإن الله وعد والله لا يخلف الميعاد فقال قول صدق: { مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حياةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } [النحل:97] ، يقول ابن القيم رحمه الله تعالى في تفسير هذه الآية:"فهذا خبر أصدق الصادقين ومخبره عند أهله عين اليقين، بل هو حق اليقين ولا بد لكل من عمل صالحا أن يحييه الله حياة طيبة بحسب إيمانه وعمله، ولكن يغلط الجفاة الأجلاف في مسمى الحياة حيث يظنونها التنعم في أنواع المآكل والمشارب والملابس والمناكح أو لذة الرياسة والمال وقهر الأعداء والتفنن بأنواع الشهوات، ولا ريب أن هذه لذَّة مشتركة بين البهائم بل قد يكون حظ كثير من البهائم منها أكثر من حظ الإنسان فمن لم تكن عنده لذة إلا اللذة التي تشاركه فيها السباع والدواب والأنعام فذلك ممن ينادى عليه من مكان بعيد ولكن أين هذه اللَّذة من اللذة بأمر إذا خالط بشاشته القلوب سلى عن الأبناء والنساء والأوطان والأموال والإخوان والمساكن ورضي بتركها كلها والخروج منها رأسا وعرَض نفسه لأنواع المكاره والمشاق وهو متحل بهذا منشرح الصدر به ، يطيب له قتل ابنه وأبيه وصاحبته وأخيه لا تأخذه في ذلك لومة لائم حتى إن أحدهم ليتلقى الرمح بصدره ويقول فزت ورب الكعبة (2) ويستطيل الآخر حياته حتى يلقي قوته من يده ويقول إنها لحياة طويلة إن صبرت حتى آكلها ثم يتقدم إلى الموت فرحًا مسرورا" (3) .

ج) كيف تتحمل آلآم التعذيب:

إن العذاب أمر مكروه تنفر منه النفوس، ولا طاقة لبشر على تحمُّل العذاب الشديد إلا إذا كان أحد ممن اتصف بإحدى هاتين الصفتين:-

الصفة الأولى: أن يكون ذاقَ حلاوة الإيمان

(1) أخرجه الترمذي: رقم: (3714) ، باب في انتظار الفرج.

(2) إشارة لحديث النبي - صلى الله عليه وسلم - في صحيح البخاري: رقم: (2801) ، كتاب الجهاد والسير، باب من ينكب أو يطعن في سبيل الله.

(3) مفتاح دار السعادة: (1/35) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت