فهرس الكتاب
فعن أنس بن مالك - رضي الله عنه - عن النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال:"ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلاوَةَ الإيمان: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لا يُحِبُّهُ إِلا لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ".
إن حلاوة الإيمان إذا دخلت قلبًا لا يزاحمها فيه شي أبدًا، فتجد الرجل يرضى أن يلقى في النار ولا يتراجع عن دينه ومبدئه أبدا. فهي الزادُ الحقيقي لتحمُّل المشاق والمكروهات في مرضاة الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - .
قال الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة: إنَّما عبَّر بالحلاوةِ لأن الله شبه الإيمان بالشجرة في قوله تعالى: { وَمَثلُ كَلِمَةٍ طَيّبَةً كَشَجَرةٍ طَيّبَة } [ابراهيم:24] ، فالكلمة هي كلمة الإخلاص، والشجرة أصل الإيمان، وأغصانها اتباع الأمر واجتناب النهي، وورقها ما يهتم به المؤمن من الخير، وثمرها عمل الطاعات، وحلاوة الثمر جني الثمرة، وغاية كماله تناهي نضج الثمرة وبه تظهر حلاوتها.
بلال بن رباح - رضي الله عنه -:
وممن ذاق حلاوة الإيمان فتحمل العذاب الشديد: بلال بن رباح - رضي الله عنه - فقد كان أمية بن خلف يذيقه أصنافا من العذاب الشديد، ومن ذلك أن يجعل في عنقه حبلًا يدفع به إلى الصبيان فيلعبون به ويطوفون به في شعاب مكة وهو يقول:"أحد، أحد"يثبت نفسه بها على دينه ومبدئه في زمن الغربة، ويغيظ بها أعداءه الظلمة. فما كان من أمية بن خلف إلا أن زاده من العذاب، فكان يخرجه إذا حميت الظهيرة بعد أن يجيعه ويعطشه يومًا وليلة فيطرحه على ظهره في الرمضاء إذا اشتدَّت حرارتها، لو وُضعت عليها قطعة لحم لنضجت، ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره، ثم يقول له لا تزال هكذا، حتى تموت أو تكفر بمحمد وتعبد اللات والعزى، فيقول في ثبات:"أحد أحد":
وعندما سئل - رضي الله عنه - كيف كنت تطيق تحمل هذا العذاب الشديد في رمضاء مكة فقال قولته الشهيرة:"خلطت مرارة العذاب بحلاوة الإيمان فأنستني حلاوة الإيمان مرارة العذاب". وقد أعاد استخدام هذه الخلطة العجيبة عند موته حينما قالت زوجته: وا كرباه، فقال: بل واطرباه! غدًا نلقى الأحبه محمدًا وحزبه، فمزج مرارة الموت والفراق بحلاوة لقاء الأحبة (1) .
(1) السيرة الحلبية: (1/456) ، عبدالله الخفاجي، دار المعرفة.بتصرف يسير.