الصفحة 140 من 165

ومن يقلب صفحات التاريخ..ويسائلها عن ذلك فإنها ستحدثه عن هذه الطبيعة والتي تعد أمرًا طبعيًا لا غرابة فيه، فكم قُتل من أبطال، وكم جُرح من رجال، وكم أُسر من فرسان، فهل وهَنَت نُفُوسهم، وهل جبنت قلوبهم، بل هل تسرب الوهن إلى قلوبهم؟! قال الله تعالى: { وكأيِّن من نبيٍّ قاتلَ مَعَهُ رِبيُّون كثير فما وَهَنوا لما أصابَهم في سبيل الله وما ضَعُفوا وما استكَانُوا والله يحبُ الصابرين } [آل عمران: 146] . وفي قراءة أخرى: { وكأيِّن من نبيٍّ قُتِل... } قُتل نبيهم فلم يتخلوا عن المنهج بل لم يدخل الوهن إلى قلوبهم ولم يضعفوا بل قاتلوا وساروا على ما سار عليه إما النَّصر وإما الشهادة، فلا تحزن إن وقعتَ في الأسر فقد قيل: خف الشر من موضع الخير، وارجُ الخيرَ من موضعِ الشر، فربَ حياةٍ سببها طلبُ الموتِ، وموتٌ سببه طلب الحياة، وأكثر ما يأتي الأمن من ناحية الخوف. وتأسَّ بأبطال الإسلام فلك فيهم أسوة، وفي أعمالهم خلف القضبان سلوة، ومن هؤلاء:

1-خبيب بن عدي - رضي الله عنه -

فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال:"بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - عشرة عينا (1) ، وأمر عليهم عاصم بن ثابت - رضي الله عنه - ، فَنَفَرُوا لهم هُذَيْلٌ بقريب من مائة رجل رام، فلما أحس بهم عاصم لجأوا إلى قَرْدَدِ-جبل- فقالوا لهم: انزلوا فاعطوا بأيديكم ولكم العهد والميثاق أن لا نقتل منكم أحدًا، فقال عاصم: أما أنا فلا أنزل في ذمة كافر فرموهم بالنبل فقتلوا عاصما في سبعة نفر، ونزل إليهم ثلاثة نفر على العهد والميثاق منهم خبيب وزيد بن الدثنة ورجل آخر، فلما استمكنوا منهم أطلقوا أوتار قسيهم فربطوهم بها. قال الرجل الثالث: هذا أول الغدر والله! لا أصحبكم إن لي بهؤلاء لأسوة فجروه فأبى أن يصحبهم فقتلوه، فلبث خبيب أسيرا حتى أجمعوا قتله فاستعار موسى يستحدُّ بها، فلمَّا خرجوا به ليقتلوه قال لهم خبيب: دعوني أركع ركعتين، ثم قال لهم: والله! لولا أن تحسبوا أنَّ ما بي جزعًا لزدتُ." (2) ثم قال: اللهمَّ أحصهم عددًا واقتلهم بددًا..ثم أنشد قائلًا:

لقد جمع الأحزاب حولي وألَّبوا

وكلهم مبدي العداوة جاهدًا

وقد جمعوا أبناءهم ونساءهم

وقد خيروا في الكفر والموت دونه

وما بي حذار الموت إني لميت

فذا العرش ثبتني على ما يراد بي

(1) جواسيس على الأعداء.

(2) سنن أبي داود رقم: (2660) ، باب في الرجل يستأسر؛ صحيح البخاري مطولا رقم: (3045) ، كتاب الجهاد والسير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت