فهرس الكتاب
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:"كان عمر - رضي الله عنه - يُشاور الصحابة رضي الله عنهم ويُناظرهم ويرجع إليهم في بعض الأمور، وينازعونه في أشياء فيحتج عليهم ويحتجون عليه بالكتاب والسنة، ويُقِرُّهُم (1) على منازعته، ولا يقول لهم: أنا مُحَدَّث مُلهم مخاطَب فينبغي لكم أن تقبلوا منِّي ولا تعارضوني، فأي أحد ادعى أو ادعى له أصحابه أنَّه وليّ لله وأنه مخاطب يجب على أتباعه أن يقبلوا منه كل ما يقوله ولا يعارضوه، ويسلموا له حاله من غير اعتبار بالكتاب والسنة فهو وهم مخطئون، ومثل هذا من أضل الناس، فعمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أفضل منه وهو أمير المؤمنين، وكان المسلمون ينازعونه فيما يقوله، وهو وهم على الكتاب والسنة، وقد اتفق سلف الأمة وأئمتها على أن كل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (2) " (3) ،"فعياذًا بالله ممن جعلَ الملامةَ بضاعته.. والعذلَ نصيحتَه.. فهو دائمًا يبدي في الملامةِ ويُعيد.. ويُكرر العذلَ فلا يفيد ولا يستفيد. بل عياذًا بالله من عدوٍ في صورةِ ناصح.. ووليٍ في مسلاخِ بعيد كاشح.. يجعل عداوته وأذاه حذرًا وإشفاقًا.. وتنفيره وتخذيله إسعافًا وإرفاقًا.. قد اتخذ بطر الحق وغمط الناس سلمًا إلى ما يحبه من الباطل ويرضاه.. ولا يعرف من المعروف ولا ينكر من المنكر إلا ما وافق إرادته أو حالف هواه.. يستطيل على أولياء الرسول - صلى الله عليه وسلم - وحزبه بأصغريه.. ويجالس أهل الغي والجهالة ويزاحمهم بركبتيه..وإذا كانت العين لا تكاد إلا على هؤلاء تفتح.. والميزان بهم يخف ولا يرجح.. فما أحرى اللبيب بأن لا يعيرهم من قلبه جزءًا من الالتفات.. ويسافر في طريق مقصده بينهم سفره إلى الأحياء بين الأموات" (4) .
(1) في الأصل ويقررهم.
(2) أثر عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال:"مَا أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ إِلاَّ يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ وَيَدَعُ غَيْرَ النَّبِيّ"، كما في الدرر المنتثرة للجلال السيوطي،: (1/225) طبعة دار الفكر.وأثر عن الامام مالك نحو ذلك.
(3) مجموع فتاوى ابن تيمية: (11/207) .
(4) مفتاح دار السعادة، ابن قيم الجوزية: (1/47-48) بتصرف يسير.