فهرس الكتاب
يقول ابن العربي رحمه الله في بيانه لحقوق الأسرى:"فإن الولاية معهم قائمة والنصرة لهم واجبة؛ حتى لا تبقى مِنَّا عين تطرِف حتى نخرج إلى استنقاذهم إن كان عددنا يحتمل ذلك، أو نبذل جميع أموالنا في استخراجهم حتى لا يبقى لأحد درهم. كذلك قال مالك وجميع العلماء: فإنا لله وإنا إليه راجعون، على ما حلَّ بالخلق في تركهم إخوانَهم في أسر العدوِّ وبأيديهم خزائن الأموال، وفضول الأحوال والعدة والعدد والقوَّة والجَلَد" (1) .
إن تجاهل عامَّة المسلمين لأمرهم، والإصرار على خُذْلانهم ونكران حقوقهم، يعقبه فتنن عظيمة، على الأمة الإسلامية، كما حذَّر الله من هذا فقال: { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُم مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُواْ وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلاَّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ .وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ إِلا تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِى الأرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ } [الأنفال:73-74] . يحذر الله عباده، ويخوِّفهم من عاقبة ترك واجب النصرة، فلك أن تتخيل أخي المسلم.. كم من فتنةٍ حلَّت بالأمة الإسلامية جراء تركها لواجب النصرة! { فَلْيحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } [النور:63] ، لك أن تتأمل.. كم بابًا من أبواب الفساد، كان موصدًا، فُتح علينا عندما خذلنا إخواننا وتركنا واجب النصرة! لك أن تتعجب.. من تجرؤ فجار العالم وفساقه وسفلة القوم على الدين وعلمائه، عندما تخلوا عن واجب التبيان والنصرة! لك أن تُعيد تدبر قول الله تعالى: { إِلا تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِى الأرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ } ثم تتساءل: ما هذه الفتنة؟ وما نوع الفساد؟ وما حجمه؟ وما أثره على الدين والفرد والمجتمع؟!.
(1) أحكام القران، ابن العربي:2/889، دار الفكر.