الصفحة 49 من 165

وقال رحمه الله عما كان يؤخذ عن أهل الكتاب:"كالمنقول عن كعب ووهب ومحمد ابن إسحاق وغيرهم ممن يأخذ عن أهل الكتاب فهذا لا يجوز تصديقه ولا تكذيبه إلا بحجة، كما ثبت في الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:"إذا حَدَّثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم، فإما أن يحدثوكم بحق فتكذبوه، وإما أن يحدثوكم بباطل فتصدقوه" (1) وكذلك ما نقل عن بعض التابعين وإن لم يذكر أنه أخذه عن أهل الكتاب، فمتى اختلف التابعون لم يكن بعض أقوالهم حجة على بعض، وما نقل في ذلك عن بعض الصحابة نقلًا صحيحًا فالنفس إليه أسكن مما نقل عن بعض التابعين. لأن احتمال أن يكون سمعه من النبي - صلى الله عليه وسلم - أو من بعض من سمعه منه أقوى" (2) .

فتخصيص هذه الآيات الثلاث للاحتجاب من أعين الأعداء، ونسبة فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك يحتاج إلى دليل صحيح، رغم ثبوت احتجاب النبي - صلى الله عليه وسلم - عمن أراده بسوء بغير تلاوة هذه الآيات (3) ، وقد احتجب بعض السلف بأكثر من طريقة فبعضهم احتجب عن عدوه عن طريق الدعاء كالحسن البصري، وبعضهم قرأ آيات أخرى غير هذه الآيات الثلاث كالقرطبي اجتهادا منه فحجبه الله عن عدوه، فليس شرطًا الاقتصار على هذه الآيات الثلاث، بل يجوز بغيرها من آيات القران الكريم، كما قال صديق حسن القنوجي رحمه الله عند تفسيره آية الاحتجاب"المراد بما في الآية مطلق القرآن أو ثلاث آيات مشهورات.." (4) .

ولنا ظاهر قول الله تعالى: { وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَابًا مَّسْتُورًا } [الإسراء: 45] . فلم يخصص الله تعالى لنا آيات معينة، بل قال"وإذا قرأت القرآن"فالبحث والاجتهاد بشكل فردي في مثل هذه المسألة سائغ، وقد قال القرطبي رحمه الله أنه قرأ أول سورة يس مع آيات أخر لم يبين لنا ما هي فحجبه الله عن أعداءه.

يقول الحافظ ابن حجر:"جواز البحث في العلم حتى يظهر المعنى، وأن الكلام يحمل على عمومه وإطلاقه حتى تظهر إرادة التخصيص والتقييد" (5)

(1) مسند الامام أحمد: (4/168) ، رقم: (17230) ، دار الكتب العلمية.

(2) مجموع فتاوى ابن تيمية: (13/344) .

(3) انظر حديث"إنها لن تراني"ص: (56) .

(4) تفسير فتح البيان في مقاصد القرآن: (7/400) ، المكتبة العصرية.

(5) فتح الباري شرح صحيح البخاري: (5/675) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت