الصفحة 51 من 165

يقول ابن القيم رحمه الله:"إن الاستنباط استخراجُ الأمر الذي مِنْ شأنه أن يخفي على غير مستنبطه، ومنه استنباطُ الماء من أرض البئر والعين؛ ومن هذا قول علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - وقد سئل: هل خصَّكم رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بشيء دون الناس؟ فقال: لا، والذي فَلَقَ الحبة وبَرَأ النسمة إلا فَهْمًا يؤتيه الله عبدًا في كتابه (1) . ومعلوم أن هذا الفهم قدر زائد على معرفة موضوع اللفظ وعمومه أو خصوصه، فإن هذا قدر مشترك بين سائر مَنْ يعرف لغة العرب، وإنما هذا فَهْمُ لَوَازمِ المعنى ونظائره ومراد المتكلم بكلامه ومعرفة حدود كلامه، بحيث لا يدخل فيها غير المراد، ولا يخرج منها شيء من المراد. وأنت إذا تأملت قولَه تعالى: { إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ. فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ.لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ } [الواقعة: 77-79] وجَدْتَ الآية من أظهر الأدلة على نبوة النبي - صلى الله عليه وسلم - وأن هذا القرآن جاء من عند الله، وأن الذي جاء به روحٌ مطهر، فما للأرواح الخبيثة عليه سبيل؛ ووجدت الآية أخْتَ قوله: { وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ . وَمَا يَنبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ } [الشعراء:210-211] ووجَدْتَهَا دالةً بأحسن الدلالة على أنه لا يمس المصحف إلا طاهر، ووجدتها دالة أيضًا بألْطَفِ الدلالة على أنه لا يجد حلاوته وطعمه إلاَّ من آمَنَ به وعمل به... { لَّا يَمَسُّهُ } [الواقعة:79] لا يجد طعمه ونفعه إلا من آمن بالقرآن ولا يحمله بحقه إلا المؤمن لقوله تعالى: { مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا } [الجمعة:5] وتجد تحته أيضًا أنه لا يَنَالُ معانيه ويفهمه كما ينبغي إلا القلوبُ الطاهرة، وأن القلوب النجسة ممنوعة من فهمه مصروفة عنه، فتأمل هذا النسب القريب وعَقْدَ هذه الأخوة بين هذه المعاني وبين المعنى الظاهر من الآية واستنباط هذه المعاني كلها من الآية بأحسن وجه وأبينه" (2) .

(1) صحيح البخاري: رقم: (2980) ، باب فكاك الأسير.

(2) إعلام الموقعين: (1/176) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت