الصفحة 53 من 165

فينبغي لنا أن نعلم ما الفائدة التي يريد الله أن يعلمنا إياها من الإخبار بهذه القصة، ومالنا فيها من التأسي والاعتبار، لأنه لم تقص علينا القصص عبثا لأن الله عز وجل يقول: { فَاقصُص القَصَصَ لَعَلَّهُم يَتَفَكَّرُونَ } [الأعراف: 176] ، وقال سبحانه: { لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } [يوسف:111] ، ففي هذه القصة أشار الله عز وجل أنَّ في كتابه علمًا، له أثر خارق في العادة، يمكن لغير الأنبياء أن يؤتوه إذا كانوا من أوليائه المتقين، وأن هذا العلم مِنَّة من الله وفضل يؤتيه من يشاء من عباده. فهذا آصف بن برخيا أوتي من هذا العلم فاستخدمه في سبيل الدعوة إلى الله، بإحضار عرش بلقيس العظيم من اليمن إلى الشام، بعد أن طلب سليمان عليه السلام من الملأ أن يأتوه بعرشها، فتكفل عفريت من الجن بإحضاره في لحظات يسيرة، عبر عنها بقوله"قبل أن تقوم من مقامك"، فأرد سليمان عليه السلام عرضا أسرع من هذا، فقال آصف"أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك"فكان عرض الأنس أفضل من عرض الجن، وكان العلم بالكتاب له أثر يفوق بكثير إمكانات الجن!

فأمة محمد - صلى الله عليه وسلم - أولى بالكرامات من غيرها، فرسولنا - صلى الله عليه وسلم - أفضل الرسل، وأمتنا أفضل الأمم، وعباد الله الموحدون المضطهدون في دينهم في أمس الحاجة إلى ما يعينهم على نصر دينهم، وإقامة ما يحتاجونه من أمور دنياهم، لا سيما في زمن التقنية والمراصد، كذلك في زمن التغيير والتبديل والخذلان، فنرجو من الله الكريم أن يفتح على قلوب أوليائه المتقين بعلم من الكتاب العظيم، ينفعهم في جهادهم المقدس، إما بتعليم اسمه الأعظم فيدعون الله فيستجيب لهم، أو يدلهم على مايحجبهم به من أبصار الكافرين والمنافقين، ليتمكنوا من الدفاع عن أنفسهم، ورفع الظلم عنهم، والرد على المعتدين، ليتمكنوا بعد ذلك من نشر دين الله في أرجاء المعمورة حتى يأتي أمر الله، والله غالب على أمره ولكن المنافقين لا يعلمون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت