الصفحة 58 من 165

ذكر القرطبي في تفسيره ما حدث لرجلين من سلف هذه الأمة ممن حجبهم الله عز وجل عن أعدائهم فقال: قال كعب - رضي الله عنه: فحدثت بهن -آيات الاحتجاب الثلاث- رجلا من أهل الشام فأتى أرض الروم فأقام بها زمانًا، ثم خرج هاربًا فخرجوا في طلبه فقرأ بهن فصاروا يكونون معه على طريقه ولا يبصرونه (1) .

الفصل الرابع: طرق الاحتجاب

أولا: الاحتجاب مِنَّةً من الله:

أن زعماء قريش بعد أن اتخذوا قرارهم الجائر باغتيال النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وعلى الرغم من علم الرسول - صلى الله عليه وسلم - بهذا القرار، إلا أنه راغمهم وكادهم في شركهم وكفرهم، يقول علي - رضي الله عنه -: انطلقت أنا والنبي - صلى الله عليه وسلم - حتى أتينا الكعبة، فقال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"اجلس"وصعد على منكبي، فذهبت لأنهض به، فرأى مني ضعفا فنزل، وجلس نبي الله - صلى الله عليه وسلم - ، وقال:"اصعد على منكبي"، قال: فصعدت على منكبيه، قال: فنهض بي، قال: فإنه يخيل إلي أني لو شئت لنلت أفق السماء، حتى صعدت على البيت، وعليه تمثال صفر أو نحاس، فجعلت أزاوله عن يمينه وعن شماله وبين يديه ومن خلفه، حتى استمكنت منه قال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"اقذف به، فتكسر كما تتكسر القوارير، ثم نزلت فانطلقت أنا ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - نستبق، حتى توارينا بالبيت، خشية أن يلقانا أحد من الناس" (2) . يقول صاحب السيرة النبوية في ضوء المصادر الصحيحة:"عندما كان عليٌ يعالج الصنم ليفكه كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: { جَاء الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا } [الإسراء: 81 ] وتمكن علي من فكه ورميه وتكسيره وانطلقا ولم يرهما أحد ولم يرفع الصنم بعد ذلك" (3) .

في هذا الحديث دلالة على أن الامتناع عن كسر الأصنام في المرحلة المكية ليس على اطلاقه، بل إذا سنحت الفرصة للعصبة المؤمنة في أي مكان وزمان، أن تراغم الكفار دون أن يكون هناك ضرر شرعي يترتب على فعلهم، فعلوا ذلك تأسيًا برسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

(1) تفسير القرطبي: (10/270) .

(2) تقدم تخريجه ص: (48) .

(3) السيرة النبوية في ضوء المصادر الصحيحة: ص: (269-270) ، د.مهدي رزق الله أحمد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت